أللاجئون والنازحون هم الأكثر تضرراً من كارثة الحرب اللعينة وتبعاتها, ويجب أن تكون أولوية أجندة حلول مشاكلهم على عين ورأس وفدي مفاوضات السلام بجوبا, لقد دفعوا ثمناً غالياً من فاتورة الإقتتال الذي دار بين القوات الحكومية وجيوش الكفاح المسلح, فقضوا زمناً طويلاً ناهز العقدين من الزمان تحت الظلال الشحيحة لرواكيب الذل والهوان, بالمعسكرات الموزعة بين الجارة تشاد وحول المدن الكبيرة بالأقليم مثل الفاشر والجنينة و زالنجي و نيالا, ولك أن تتصور الإنقلاب المفاجيء الذي يحدث لحياة مزارع بسيط ومعه وعئلته الصغيرة, عندما تجبره آلة الحرب على هجر مزرعته و بضع رؤوس من الأغنام ليركن إلى رحمة المنظمات الدولية.

أهم بند من بنود ملف النازحين واللاجئين هوالتعويضات الفردية والجماعية, لقد مات الولد وهلك الوالد وفُقد المعين والعائل, بعد أن حُرق الزرع وجَف الضرع وضاعت الفرصة المتساوية مع الآخرين في تعليم الأبناء والبنات, فغادروا جغرافيا المأوى الذي دمرته قاذفات لهيب وشرر الموت المعبأ في براميل الأنتونوف, الساقطة من فوهات مدافع طيران العنصري المغرور ألمنطلق من القواعد العسكرية و الجوية بالمدن المركزية, تنفيذاً لأوامره الدكتاتورية البائدة عندما كان القائد العام للقوات الحكومية الذي استهدف المدنيين العزل بتطبيقه لسياسة الأرض المحروقة, لكن استجاب رب البؤساء لدعاء البؤساء الذي لا حجاب ولا ستار ساتر يفصل بينه وبينهم, كيف لا وهو الحَكَم العدل المستجيب لدعوة المظلوم, فذهب الطغيان وبدأ مد الظلم ومداد العدوان في الانحسار.
المقهورون من سكان الأقليم المنكوب هجروا أرض أجدادهم التي عاشوا على طينها ورملها عشرات القرون, لما فعلته بهم آلة المركز المتجبرة والفاقدة للأخلاق والمتخصصة في إشعال الحروب وتدمير شعوب وقبائل البلاد, ففقدان الحرث والنسل ألذي تكبد خسائره النازح واللاجيء يجب أن تفي بمستحقاته منظومة هذا الحكم المركزي, لأنها هي التي خرقت المواثيق والمعاهدات الدولية الحافظة لحقوق الانسان, فارتكبت الفظائع التي أفقدت هذا المواطن كل ما يملك, لذا يتحتم على الحكومة الانتقالية والحكومات التي تليها بمختلف مسمياتها, أن تلتزم بالوفاء ببند التعويضات الفردية والجماعية للنازحين واللاجئين.
بناء القرى النموذجية على رماد الأرض التي أحرقتها نيران طائرات العنصري المغرور, واجب أخلاقي و ضرورة إنسانية يفترض أن تحرك ضمائر الجالسين على مقعد قيادة الدولة, كذا والآخرين القادمين للمشاركة السياسية عبر هذه الاتفاقيات من رموز حراك الكفاح المسلح, فهذا الواجب الأخلاقي ليس محصوراً في الطرف الحكومي وحده, وإنما لحملة شعار التحرير والعدل نصيب كبير منه لا يقل وزناً من واجبات منظومة الحكم التي سيكونون جزء من هياكلها بعد التوقيع على الإتفاق النهائي, وما أصعب مهمة البناء و التعمير و ما أسهل إعمال فأس و معول التدمير.
على واضعي مسودة الاتفاق أن يُقروا صراحة في وثيقة السلام, على الضرورة الملحة والأهمية القصوى لبناء ألمدارس وحفر الآبار وإنشاء المراكز الصحية, وتأسيس المستشفيات البيطرية ومكاتب الإشراف الزراعي مع عودة هؤلاء المتضررين, ويا حبذا لو تم تضمين جند يشير مباشرة إلى دعوة المانحين السابقين للعودة للإقليم, لأنهم أرسوا دعائم مشاريع تنموية ضخمة في الماضي القريب, وكانوا يصرفون على هذه المشاريع من جيبهم فلم يحمّلوا خزائن الحكومات المتعاقبة قرشاً واحداً, وهذه المشاريع هي (ساق النعام) و(هيئة تنمية غرب السافنا) وغيرها, فالمشروع الأخير باع أصوله القط الكبير المتعافي في مزاد سري عندما كان والياً على جنوب دارفور.
ألنازحون واللاجئون يجب أن يصيبهم نصيبهم من المساعدات الأممية التي استنجد بها رئيس الوزراء الدكتور عبد الله آدم حمدوك, فبالاضافة إلى الدعم الإداري والسياسي الذي سوف تقوم به بعثة الأمم المتحدة تجاه مؤسسات الحكم الانتقالي, يستحسن أن تكون هنالك خصوصية لوضعية الأقاليم المنكوبة التي فتكت بها الحروب الأهلية ضمن خطة هذا البرنامج الأممي الطموح بفصله السادس, فمن الأوفق أن تحصل دارفور على نصيبها من هذه المنافع الأممية القادمة, وهنا يلعب المفاوض المكافح والمسلح بالإيمان العميق بقضية هؤلاء البؤساء, الدور الأعظم في تثبيت حقوق النازحين واللاجئين وتوثيق هذه الحقوق بنصوص بليغة وفصيحة على وثيقة السلام, فالمعونات والمعينات التي يأتي بها المانحون والخدمات التي تقدمها منظمة الأمم المتحدة أولى بها أكثر الشرائح المجتمعية ضعفاً وأحقها استحقاقاً لهذه المنح الإنسانية.
فالسلام هو الأمن والأمان, وهو في المقام الأول سلام النازحين واللاجئين الواطئين لجمر المعاناة والشقاء, ولا يجب أن يكون سلاماً متساهلاً مثل (السلامين) السابقين (أبوجا والدوحة) الّذين لا أرضاً قطعا ولا ظهراً أبقيا, فلا نريد سلاماً يأتي بالوظائف والمكاسب الشخصية و يترك المساكين في حالهم البائس كما حدث من قبل في المناسبتين آنفتي الذكر, فالسلام الذي لا تتحقق معه العودة العزيزة والمكرمة للمكرهين الذين أجبروا على مغادرة أرضهم, والإتيان بهم إلى ذات التراب المشيدة عليه البنى التحتية الملاءمة لأبسط مقومات الحياة الآدمية الكريمة, وهذا لا يكون إلا بالارادة القوية لدعاة الأمن والاستقرار المجتمعي, وبدعم القناديل المضيئة بالأمل والكاشفة لرايات السلام البيضاء المرفرفة بشعارات الحب و الوئام.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.