الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال – SPLM-N:

عبد الله إبراهيم عباس

- رئيس المؤتمر العام - عضو مجلس التحرير القومي
- عضو المجلس السياسي والقيادي - ونائب رئيس وفد التفاوض.

مُقدمة :
حزب الأمة و زعيمهِ الصادق المهدي كعادتهِ، وعبر تاريخه الطويل لا يقبل بأي (وضعية / تحالُفات / تحوُّل / تغيير/ أو أي حراك سياسي) إلَّا أن يكون هو في قيادته، وينتهج سياسة الهروب إلى الأمام و الإستثمار في الأزمات لخلق قوى جديدة و قيادة جديدة، و بالتالي فإن وثيقة (نحو عقد إجتماعي جديد) تأتي في هذا السياق. فهو لم يخرج عن المألوف. فبعد أن قرأ الصادق المهدي مواقف القوى السياسية المُكوِّنة لـ(قوى الحرية والتغيير) و تقارُبها مع موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال فيما يتعلَّق بعلاقة الدين بالدولة بعد الحراك الكبير وحملة الوعي و التنوير التي قامت بها الحركة الشعبية بالإضافة إلى الحوارات التي أجرتها مع القوى السياسية والمدنية، قرَّر حزب الأمة قطع الطريق أمام هذا التقارُب الذي قد يُفضي إلى توقيع إتفاق سلام ينص على (علمانية الدولة). و الصادق المهدي يضع نفسه دوماً في موقع (المرجعية) الفكرية والسياسية و الدينية وأنَّه وحده الأحرص على مُستقبل البلاد، و إن الجميع مُخطئون ما عدا هو، و لذلك يقوم بتهديد بقية القوى السياسية وإبتزازها.

أولاً : مواقف حزب الأمة عبر التاريخ :
حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي له مواقف كثيرة خلال تاريخه الطويل مُعادية لمصلحة البلاد، وأعاقت التطوُّر السياسي والدستوري. وله مواقف كذلك في عهد الإنقاذ ضد التغيير ولا سيما مواقفهُ المُتخاذلة خلال ثورة ديسمبر المجيدة 2018 – و نورِد على سبيل المثال الآتي :
1/ قام حزب الأمة (عبد الله خليل) بتسليم السلطة للجنرال إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958.
2/ قام الصادق المهدي بالتآمر على الحزب الشيوعي السوداني في حادثة طرد نواب الحزب الشيوعي (المُنتخَبين) من البرلمان في 25 نوفمبر 1965 كسابقة سيئة ضد الديمقراطية، و بعد سنة أعلن مولانا/ صلاح حسن - قاضي المحكمة العليا، أن الحُرِّيات في المادة الخامسة في الدستور لا يجوز تعديلها، و أن كل ما حدث كأنَّه لم يحدث. ولكن قادة الأحزاب الثلاثة (حزب الأمة – الحزب الإتحادي – الأخوان المسلمين) - وعلى رأسهم الصادق المهدي - رفضوا هذا الحكم الذي وصفه الصادق بـ(التقريري)، وحينها كان رئيساً للوزراء، الأمر الذي دفع رئيس القضاء (بابكر عوض الله) لتقديم إستقالتهِ.
3/ قام الصادق المهدي عام 1966 بالتآمرعلى (محمد أحمد المحجوب) وإجباره على التخلِّي عن رئاسة مجلس الوزراء و إخلاء كرسي السلطة له ليحل مكانهِ، كما أجبر مُرشَّح دائرة الجبلين للتنازُل له عن الدائرة، و بالفعل نجحت مؤامرتهِ و أصبح رئيساً للوزراء في 25 يوليو 1966.
4/ خان حزب الأمة حلفائهِ في الجبهة الوطنية بعد هزيمتها في 1976 - عندما هرع الصادق المهدى مُنفرداً دون أخذ رأي حلفائهِ و قام بإجراء مُصالحة مع جعفر نميري في 7 يوليو 1977 بمدينة بورتسودان قبل أن تجف دماء الأنصار، الأمر الذي وصفه (الشريف حسين الهندي) بالخيانة العُظمى. و بعدها إنضم إلى الإتحاد الإشتراكي بتوجيه من نميري و أدَّى قسم الولاء لنظام مايو.
5/ عندما ثار الشعب السوداني على نظام نميري فى 1985 ضد قوانين سبتمبر الدينية (قوانيين الشريعة الإسلامية) لحق الصادق بركب الثورة في أواخر مراحلها - كما فعل في ثورة ديسمبر 2018 – و قال مقولته الشهيرة : (إن قوانين سبتمبر لا تساوي الحبر الذي كُتبت به). و دعم المجلس العسكري بقيادة عبد الرحمن سوار الدهب، و إستعجله بتسليم السلطة فى عام واحد فقط ..!! فى إنتخابات مُبكِّرة وجُزئية (نفس المُخطَّط المرسوم الآن). وعندما أصبح الصادق رئيساً للوزراء بعد حكومة نميري الديكتاتورية، لم يلغِ قوانين سبتمبر، و لم يوقف الحرب فى السودان، بل واصل فى نفس سياسات و برامج نظام مايو الدكتاتوري الذي أسقطه الشعب بثورة شعبية.
6/ الصادق المهدي هو المسؤول عن تسليح المليشيات على أسُس قبلية و عُنصرية عندما قام بتأسيس قوات المراحيل في العام (1986 – 1989) و التي إرتكبت مجازر بشعة في جنوب السودان و دارفور و جبال النوبة و النيل الأزرق بالإضافة إلى مذبحة الضعين الشهيرة.
7/ وقف الصادق المهدي ضد مُبادرة السلام السودانية التي وقَّعها مولانا/ محمد عثمان الميرغني مع الدكتور/ جون قرنق دي مبيور في 16 نوفمبر 1988 و التي كانت فرصة كفيلة بحقن دماء السودانيين و الحفاظ على وحدة البلاد، و قد فرح بها الشعب السوداني، فرفضها الصادق المهدي و فضَّل التحالف مع الجبهة الإسلامية القومية، أعداء السلام و الذين لا يريدون وقف الحرب لتعطيهم مُبرِّر للإستيلاء على السلطة، فإنقلبوا عليه برغم علم الصادق المهدي بالإنقلاب.
8/ شارك حزب الأمة في هيكلة التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف التسعينات، و في 1998 جمَّد نشاطه في التجمع بعد أن فشل في الوصول إلى هدفه (رئاسة التجمع). و في 25 نوفمبر 1999 قام الصادق المهدي بتوقيع (نداء الوطن) مع عمر البشير في عاصمة جيبوتي وبعدها مُباشرة في 17 مارس 2000 أعلن إنسحابه من التجمع الوطني الديمقراطي، وعاد إلى الخرطوم في نفس الشهر (مارس 2000) في عملية أُطلق عليها إسم (تفلحون).
9/ في عام 2011 عيَّن عمر البشير نجل الصادق المهدي (عبد الرحمن) مُساعداً له و هو في المعارضة.
10/ شارك حزب الأمة في تأسيس نداء السودان عام 2014 بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا و ترأَّسهُ الصادق المهدي. و في سبتمبر 2019 قام بتقديم إستقالته من رئاسة نداء السودان، و دعا مُكوِّنات التحالف لإجراء مُراجعات لمواقف التحالف وهيكلتهِ. وقال إن قراره : (يتماشَى مع ضرورة إحداث تغييرات سياسية على هياكل القوى السياسية التي سيكون عليها الإنتقال من الإصلاح إلى المراجعة .. !!!). و هي خطوة قصد منها إضعاف التحالُف و التخلُّص منه.
11/ للصادق المهدي وحزب الأمة موقف مُخزي تجاه محكمة الجنايات الدولية و هو موقف داعم للمجرم عمر البشير عندما صرَّح في 2009 بأن البشير (جلدنا و ما بنجرو بالشوك) و هو موقف عنصري ضد العدالة و ضد حقوق الضحايا برفضه تسليم عمر البشير للمحكمة الدولية لينال عقابه.
12/ و لعل الجميع يتذكَّرون ليلة ما قبل فض الإعتصام في 3 يونيو 2019 عندما قام بسحب خيمة أنصاره من موقع الإعتصام بالقيادة العامة قبل ساعات من فض الإعتصام مما يؤكِّد إنه كان على علم، بل و تنسيق مع المجلس العسكري بخصوص فض الإعتصام.
13/ وبالطبع لن ينسى الشعب السوداني موقف الصادق المهدي من ثورة ديسمبر المجيدة و وصفها بأنها مجرَّد (بوخة مرقة) وإنها ليست (وجع ولادة). و عندما حاول بعض أنصاره تلميعه بخروجه أيام التظاهرات، سارع بنفي مشاركته في أي تظاهرة - عبر بيان رسمي في 30 مارس 2019.
14/ في يناير 2019 تأسَّس تحالف (قوى الحرية والتغيير) و ضم حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي. و في 22 أبريل 2020 جمَّد الحزب نشاطه في قوى الحرية و التغيير و دفع الصادق المهدي بوثيقة (نحو عقد إجتماعي جديد) و أعطى مُهلة لمدة (إسبوعين) لمُكوِّنات التحالُف للإنصياع له وفق رؤيتهِ الجديدة المُدرجة في الوثيقة.
15/ على مر التاريخ ظلَّ الصادق المهدي يقف و يتَّخذ مواقف مُتناقضة تدهش الجميع – مثلاً كان أكثر الداعمين للفترة الإنتقالية و قد تحدَّث عنها بإسهاب في وثيقته : (مشروع بناء المستقبل الوطني – مصفوفة الخلاص الوطني) الصادرة في 20 يوليو 2019 قبل أن يأتي الآن و يحاول أن ينسف الفترة الإنتقالية عبر وثيقته الجديدة (نحو عقد إجتماعي جديد) في فترة لم تتجاوز الثمانية أشهر .. !!!.
16/ يريد تفريغ لجان المقاومة - المُتمثِّلة في حماية الثورة و مُراقبة الحكومة الإنتقالية – و تحويلها إلى لجان خدمية.

ثانياً : تحليل الوثيقة :
تهدف الوثيقة إلى الآتي :
1/ تكوين قيادة جديدة للحرية و التغيير بإعتبار إن القيادة الحالية غير مؤهَّلة و ذلك عبر مؤتمر تنظمّه القوى الجديدة المؤيِّدة للوثيقة، للإتفاق على (برنامج بديل) ونسف الوثيقة الدستورية و الفترة الإنتقالية برُمَّتها، فحزب الأمة ينتقد تحالُف و قوى هو جزء منها لإيجاد مُبرِّر للإنقلاب عليها.
2/ إجهاض الثورة و الإنقلاب عليها و إعادة إنتاج السودان القديم بثوب جديد بإستخدام القوى القديمة الموجودة معه في التحالف، فالوثيقة عبارة عن تبرير لمؤامرة تم طبخها..
3/ يُخطِّط الصادق المهدي لأن تقوم القوى الجديدة (قوى العقد الإجتماعي الجديد) بحسم مسألة الدستور على إنفراد وبإقصاء قوى الكفاح المُسلَّح (خاصة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال) و بالتالي تجنُّب أي توجُّه لعلمانية الدولة.
4/ وصف الصادق المهدي لمطالب القوى المُسلَّحة بالتعجيزية، فيه رفض واضح لمشروع الحركة الشعبية للسلام، و رغبة لإرجاع العبودية و التسلُّط الذي ظلَّ يُمارسه على الشعوب السودانية، و هي دعوة للحرب و تفكيك البلاد.
5/ يسعى حزب الأمة - بمغازلتهِ للمؤتمر الوطني و بدعوتهِ لأن يقوم بـتقديم "نقد ذاتي" - لكي يرث جماهيره و إستيعابها بثوب جديد للتُحالف و الإصطفاف الآيديولوجي و تحالف (أهل القبلة).
6/ حزب الأمة يُخطِّط للسيطرة على البرلمان الإنتقالي عبر مطالبتهِ بـ(العودة للأوزان الإنتخابية) في آخر إنتخابات، برغم وضعيتهِ الراهنة و ما أصابه من إنقسامات وضعف.
7/ دعوة الصادق المهدي المُستمرة للإنتخابات المُبكِّرة تهدف إلى إخراج حركات الكفاح المُسلَّح من الفعل السياسي و إقصائها بإقامة إنتخابات جزئية تستثّنَى مناطق الحرب، و هذا يهدف لإجهاض عملية التحوُّل الديمقراطي و الإنفراد بالسلطة.
8/ يطرح الصادق المهدي (عقد إجتماعي جديد) لا ينسجم مع مفهوم و روح العقد الإجتماعي الذي لا ينبغي أن يتم فيه إقصاء أي مكوِّن من مُكوِّنات المجتمع، فهو يتجاوز النظرية في بعدها العلمي والفلسفي.
9/ يحاول حزب الأمة بإستعجالهِ عقد المؤتمر الإقتصادي إقصاء قوى الهامش (قوى الكفاح المُسلَّح) للإبقاء على، و تكريس الأوضاع القائمة وبنية إقتصاد الريع العشائري المؤسَّس على سياسات التحرير المتوحِّشة التي فتحت المجال و مكَّنت آليات تتَّسِم بالمُحاباة و الفساد.
10/ يسعَى الصادق المهدي لإفشال المفاوضات والحيلولة دون التوصُّل لإتفاق سلام يأتي بما لا تشتهيهِ سفنهِ بإحداث تغيير في موازين القوى في الساحة السياسية السودانية و فقدانهِ للغلبة و السيطرة. و هو لا يُفكر في إيقاف الحرب لأنه يستثمر فيها و هو غير مُتضرِّر منها.
11/ ينتقد حزب الأمة قوى الحرية و التغيير في نهج (المُحاصصة) في الوقت الذي يُشارك فيه في حكومة الفترة الإنتقالية بوزيرين، و عضو في مجلس السيادة و لديه عدد من المُرشَّحين لولاة الولايات و المجلس التشريعي، و هذا يؤكِّد عدم قبوله بهذا التمثيل و إنه يطمح في السيطرة الكاملة.
12/ بمُغازلتهِ و مدحهِ للمكوِّن العسكري يسعَى حزب الأمة إلى فض التحالُف مع قوَى الحرية و التغيير وبناء تحالُف "نقيض" مع العسكر و فلول النظام البائد و قوى الثورة المُضادة لنسف الفترة الإنتقالية و السيطرة على البلاد.
13/ يُمهِّد الصادق المهدي لقطع الطريق أمام أي تحوُّل و تغيير حقيقي، و هذا نفس موقفه في العام 1988 عندما قطع الطريق أمام مُبادرة السلام السودانية و المؤتمر الدستوري و قام بتسليم السلطة للإسلاميين.
14/الوثيقة في مُجملها تُمثِّل (حصان طروادة) لتحقيق أهداف حزب الأمة، لأن التفاصيل الداخلية للوثيقة لا علاقة لها بالعقد الإجتماعي كمفهوم.

ثالثاً : السيناريوهات والمآلات :
1/ أن يستطيع الصادق المهدي الإنقلاب على الثورة و إستقطاب قوى مؤيِّدة لوثيقة (العقد الإجتماعي الجديد) و التحالُف مع العسكر لنسف الفترة الإنتقالية.
2/ أن يخسر الرهان و يفشل في كسب حُلفاء جُدد غير حلفائهِ الحاليين في قوى الحرية و التغيير (حزب البعث – الحزب الناصري)، و يفشل كذلك في الحصول على تأييد الشارع و المجتمع الدولي، و بالطبع لن يجد التأييد من قوى الكفاح المُسلَّح.
3/ حدوث فرز سياسي جديد وإصطفاف تقتضيه المرحلة و ترتكز على المواقف الإستراتيجية و ليست التكتيكية (قوى التغيير الحقيقية – مُقابل قوى السودان القديم).

رابعاً : موقف الحركة الشعبية :
تأسيساً على ما تقدَّم، و إلتزاماً برؤية الحركة الشعبية (التحريرية)، و تمسُّكاً حازماً بمُكتسبات ثورة ديسمبر الشعبية المجيدة .. فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال تعلن بكل وضوح و جدِّية رفضها التام لمجمل مضامين و أهداف الوثيقة المُسماة (نحو عقد إجتماعي جديد). و في ذات الوقت تؤكِّد الحركة الشعبية على صلابة موقفها المبدئي الداعم لآليات السلطة الإنتقالية المدنية الحالية و مُساندتها من أجل إستكمال كافة مهام الثورة التي تواثقت على تحقيقها مُختلف مُكوِّنات قوي الثورة الشبابية و النسوية و السياسية و المهنية. و ستبذل الحركة قُصارَى جُهدها من أجل تمتين عُرَى التحالف و التنسيق بين مُكوِّنات القوي الثورية .. كما لن تألو الحركة جهداً على درب ترسيخ جوانب برامج التغيير الإقتصادي و الإجتماعي المُترادف مع التحوُّل الديمقراطي بما يضمن أوسع الفرص لإشاعة الحُرِّيات و سيادة حكم القانون.
وفي هذا الصدد فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال مُلتزمة بطرح حزمة من المبادئ فوق الدستورية لتكون منصة لتأسيس و تنسيق و تكييف الجُهود والتحالُفات من أجل ضمان التحوُّل الديمقراطي .. و إيقاف الحروب .. وتمكين وحدة السودان عبر التسديد الناجز لإستحقاقات (الحرية .. السلام .. و العدالة).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.