استضاف منتدى آفاق جديدة (مدارك سابقاً) مساء الجمعة 8 مايو 2020 ، الأستاذ عمر إسماعيل شمس الدين الباحث في مركز الوجدان الحضاري بالدوحة في محاضرة أثيرية بعنوان " التحوّل الثقافي و مسارات التغيير" ، المحاضرة تأتي في سلسلة محاضرات ينظمها منتدى آفاق جديدة الذي تم تكوينه حديثا ليؤسس منبراً حراً للموهوبين من أبناء السودان كي يدلوا بدلوهم في قضايا السودان الملحّة خاصة في هذه الفترة الانتقالية العصيبة التي تجمعت فيها الأزمات الاقتصادية و الصحية بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد المعاصر ، يستخدم المنتدى الوسائط الالكترونية في التجمع التزاماً بقوانين التباعد الإجتماعي التي أصدرتها معظم الدول للتصدي لجائحة كورونا التي تعصف بكوكبنا.
إبتدر الأستاذ عمر محاضرته بسؤال للحضور لماذا نريد التغيير؟ ، و طرح شريحة عرض على الشاشة طرحت عدة خيارات للتغيير الممكن حدوثه طبقاً لرغبة الطامحين له ، و حددت الشريحة المكتوبة باللغة الإنجليزية 3 خيارات ، ينبغي إختيار خيارين فقط منهما ، 1 تغيير جيد ، 2 تغيير رخيص التكلفة ، 3 تغيير سريع ، و حدد اللوغاريثم المصاحب للشريحة أنه إذا تم اختيار التغيير الجيد و السريع فأنه بالضرورة سيكون ذو تكلفة عالية ، و حدد عدة خيارات أخرى أوصلتنا إلى خلاصة ما يرمي إليه الأستاذ عمر ،وهي أن أي نوع من التغيير الاجتماعي الجيد المستوى و الذي نصبوا إليه لرفعة وطننا السودان سيستغرق وقتاً ليس بالقصير و ستكون له تكلفة عالية إن رغبنا حقاً في تحقيق تغيير حقيقي في بلدنا.
بعد أن دفع الحضور دفعاً للتفكير بشريحة عرضه الأولى ، دلف محدثنا إلى السؤال الذي يدور في أذهاننا جميعاً و هو ما مشكلة بلدنا السودان ، أهي مشكلة تعليم أم صحة ، أم سياسة أم إقتصاد ، و مضى متسائلاً "إذا أفلحنا في تحديد المشكلة فمن أين سيبدأ التغيير المنشود؟ " ، بعدها دخل الأستاذ عمر في شرح للمفاهيم و تعرض في عجالة لكلمة (سيستم) في اللغة الإنجليزية ، و أوضح أن هذه الكلمة هي نتيجة للثقافة الغربية لا يوجد مرادف دقيق لمفهومها باللغة العربية ، فعلى حد تعبيره كلمة نظام لا تفي كلمة (سيستم) الإنجليزية حقها في التعبير ، عرج الأستاذ عمر بعد ذلك عن مفهوم الشخصية عند سي. جي. بورييي (عالم النفس الأمريكي) و إستعرض في شريحة عرض أخرى مبسطة تعامل الذات مع العالم الخارجي و المؤثرات التي تحدد هذا التعامل من توقع ، و إحساس ، و تكيّف و فعل ، و كيف أن الإنسان بذلك يتأثر و يؤثر في العالم من حوله بصورة تفاعلية.
ثم تحركنا مع محدثنا اللبق في ميكانيزمات السلوك و التصرف حيث وضح لنا كيف أن قناعة الفرد قد تتكون من سلوك و موقف ، و إمكانية أن تؤدي المواقف و السلوكيات إلى تكوين قناعات مختلفة عند المرء مما يعني أن السلوك و القناعات و المواقف أشياء تفاعلية تؤدي إلى بعضها البعض في ديناميكية متبادلة و تساهم في تكون شخصية الفرد ، من هناك إنتقلنا في سلاسة إلى تحديد كيفية تفكير المجتمع و المؤثرات التي تحدد طريقة التفكير لدي الجماعات القاطنة فيه ، و بعد ذلك جسّم لنا الأستاذ عمر ثقافة المجتمع بشكل شجرة جذورها الأفكار ، و جذوعها القناعات و فروعها و أوراقها النُظم ، ما يعني أن القناعات و النُظُم هما نتاج الثقافة السائدة في المجتمع ، و استنتج أنه ليست كل أفكار المجتمع في السودان سيئة بالضرورة ، بينما هناك قناعات و ممارسات محددة هي التي أدت إلى ما نحن عليه من تقهقر ، لكن يجب البحث عميقا في جذور و قناعات المجتمع اذا كان مبتغانا تأسيس تغيير حقيقي و ملموس ينبذ القناعات و الأفكار السالبة و يعزز الجيدة و المفيدة.
بعد ذلك عبر بنا مقدم المحاضرة إلى تحديات الِقيَم ، و عددها إلى الغموض ، غياب النسق و خلل التصور ، و شرح الإنتقال من المصطلح إلى المفهوم ، و بين أن ما يصبو إليه الفرد من أهداف رغم أنها تكون واضحة سهلة في مخيلته إلأ أنه قد تكون هناك عقبات متعددة تعترض وصوله إلى تلك الأهداف. عندها وصلنا إلى تحديات التغيير السلوكي عند البشر و المجتمعات و صعوبة ذلك خاصة في ظل وجود قيم مُتَخَيلة و قيم فاعِلة في ذهن الفرد و الذهنية المشتركة للمجتمع ، و بعد ذلك إنتقلنا إلى كيفية تَكُّون القيم من القيم المجردة مروراً بالبحث الفلسفي ، القيم المُتَبنّاه ، القيم الإجرائية ، القيم المحميّة ( بالقانون و العرف).
بعد الشرح المسهب حول المفاهيم وصلنا إلى السؤال المحوري في المحاضرة و هو تشخيص الإشكالات السلوكية و القيمية التي أدت إلى القعود ببلادنا عن اللحاق بركب التقدم و الرُقي ، عندها قدم الأستاذ عمر خلاصة خبرته في تحديد المنظومة القيمية للمجتمعات عبر عرض تجربته في مركز الوجدان الحضاري و هو مركز حكومي تابع لوزارة الثقافة القطرية ، و بيّن كيف توصل الباحثين هناك إنطلاقاً من ثقافة المجتمع القطري إلى تحديد منظومة قيمية إتُّخِذَت كمعيار لتحديد مدى إرتباط ما يحدث في المجتمع من حراك و فعاليات و نظم مع قيمه الأساسية ، و قد تم تحديد هذا المعيار عبر تحديد عدة عوامل ، وفي حالة النموذج الحالي المتبع فهناك 8 عوامل أساسية و هي: 1 النظرة للإنسان ، 2 النظرة للوقت ، 3 النظرة للعلم ، 4 النظرة للآخِرة ، 5 النظرة للطبيعة ، 6 النظرة للآخَر القريب ، 7 النظرة للآخر البعيد ، 8 النظرة للعمل. من تلك النظرات الثمانية تم عرض المنظومة القيمية التي تم الوصول إليها و ما يرتبط بها من تفرعات جانبية لفروعها الثمانية الأساسية ، فمثلا من النظرة للعمل تتفرع 4 أفرع و هي الإتقان ، التراكم ، الإنجاز ، المبادرة ... إلخ.
للتدليل على إختلاف النظم القيمية في المجتمعات استعان الأستاذ عمر بنظرية هوفستيد للأبعاد الثقافية ، و البروفيسور خيرت هوفستيد هو عالم نفس هولندي أسس مركز أبحاث الموظفين في شركة آي بي إم الامريكية في أوروبا ، و قام في الفترة بين 1965 و 1971 ببحث علمي سلوكي على 117000 شخص من موظفي شركته حول العالم ، و خلص إلى نموذج متكون من 6 مؤشرات وهي:
1 مؤشر البعد من السلطة.
2 الفردية مقابل الجماعية.
3 تجنب الغموض.
4 الذكورة مقابل الأنوثة.
5 التوجه طويل الأمد مقابل التوجه قصير الأمد.
6 الانغماس مقابل ضبط النفس.
أبحاث هوفستيد و التي عرضها علينا الأستاذ عمر وضّحَت بشكل لا لبس فيه اختلاف المجتمعات عند اخضاعها للمؤشرات أعلاها خاصة عند مقارنة 4 دول صناعية مثل ألمانيا ، الصين ، أمريكا و البرازيل ، فبينما كانت مؤشرات الفردانية أعلى عند الأمريكان و الألمان ، نجد أن التخطيط للمدى البعيد أعلى ما يكون عند الألمان و الصينيين ، و بينما ينفر الغربيون في أمريكا و ألمانيا من توزيع السلطة في المجتمع نجد قبول ذلك أعلى ما يكون في الصين . و حينها وضح الأستاذ عمر ، أهمية المعرفة الاجتماعية في تحديد سلوكيات المجتمع بصورة علمية قبل الشروع في عملية التغيير ، بيد أن النقطة التي أكد عليها أنه لا يجب علينا استيراد حلول جاهزة ، فكما أثبت نموذج هوفستيد أن لكل مجتمعٍ وصفة خاصة به ، لذا فيجب استيراد الأفكار عبر الاطلاع على أحدث ما أنتجته البشرية من علوم و من ثَمَّ توطينها في البيئة المعينة و عندها فقط يمكن انتاج أفكار خاصة بنا تلائم مجتمعنا للمضي به في طريق التغيير المنشود. أمّن محدثنا في نهاية محاضرته الشيّقة أنّ كل ما ينادي به هي فرضيات ونظريات علمية مجربة لكنها تحتاج الدراسة و التمحيص و الدِقّة في المتابعة و التطوير حتى نصل للوصفة الملائمة لترقية مجتمعنا و لتثبيت قيم الحرية والسلام و العدالة التي طالب بها دعاة التغيير في السودان.


أمجد إبراهيم سلمان
10 مايو 2020
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
whatsapp 0031642427913