مقدمة: -

تتفق مختلف الأنظمة القانونية التي تسود العالم اليوم، على أهمية أن يكون لكل دولة رئيس، يحدد الدستور اختصاصاته وسلطاته، وكيفية توليه للسلطة، ومدة ولايته إلى آخر الأمور المتعلقة برئيس الدولة.
ووجود الرئيس في أي دولة يعد تأميناً للنظام في الدولة، وحسن سير مؤسساتها السياسية ،ووجود الحاكم تقليد درجت عليه الجماعات الإنسانية منذ نشأتها الأولى ودعت له مختلف النظريات التي فسرت نشأة الدولة خاصة نظرية العقد الاجتماعي التي تحدثت عن ضرورة وجود حاكم للجماعة تتنازل له عن كل أو بعض سلطاتها، بغرض تنظيم أمورها وتوفير احتياجاتها وخوفاً من الفوضى التي يمكن أن تسود إذا تُرك الناس وشأنهم بدون سلطة تكبح جماحهم وتقيدهم لذلك قال الشاعر الأفوه الأودي: لا يصلح الناس فوضي لا سراة لهم ولاسراة إذا جهالهم سادوا.
وفي النظام الإسلامي يجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على ضرورة تولية رئيس عام للدولة الإسلامية، يقوم بتدبير شؤونها، والنظر في مصالحها بشكل عام، لذلك نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم انشغلوا بهذا الأمر عند وفاة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم بعد شغور منصب رأس الدولة، وتحاوروا وتناقشوا في هذا الأمر وولوا سيدنا أبي بكر الصديق علي أمر المسلمين في سقيفة بني ساعده قبل أن يواري جثمان سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الثرى، مما يوضح بجلاء أهمية وجود رئيس الدولة.
وقد تطورت مكانة رئيس الدولة عبر مختلف المراحل التي عرفتها الإنسانية متأثرة بمختلف الظروف والأزمات السياسية والاجتماعية التي تركت ظلالها في كل مرحلة من المراحل منذ الملكية المطلقة، التي كانت تجسد الدولة في شخص الملك باعتباره صاحب السيادة وما ترتب عنها من سلطات وصلاحيات واسعة له، إلي مرحلة الفصل بين الملك والسلطة السياسية بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789م حيث تمخض عن الثورة عدد من المبادي من ضمنها أن السيادة يجب أن تعود للأمة كشخص معنوي مستقل عن الأفراد المكونين لها، وبالتالي تقييد صلاحيته وخضوعه للقانون وتتباين سلطة رئيس الدولة تبعاً لنظام الحكم الذي تأخذ به الدولة ،ويتباين بالتالي تأثير شغور منصبه ، فنجد أنه يمثل حجر الزاوية في السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي، وبالتالي لا شك أن شغور منصب الرئيس في مثل هذا النظام سيكون له أثر كبير علي مؤسسات الدولة المختلفة، ويختلف دور الرئيس في النظام البرلماني والذي يوصف فيه بأنه يسود ولا يحكم كالملك أو الملكة في النظام البرلماني في بريطانيا وبالتالي فإن شغور منصبه ليس له مثل ذلك التأثير الذي رأيناه في النظام الرئاسي، ويقل تأثير شغوره أيضاً في النظام المجلسي ( سويسرا نموذجاً) عنه في النظامين الرئاسي والبرلماني لأن الرئيس في هذا النظام عضو من ضمن سبعة أعضاء في المجلس التنفيذي الذي يتولى السلطة التنفيذية نيابة عن السلطة التشريعية وليس له أي ميزة تميزه عن الستة الآخرين،.

ماهية رئيس الدولة
يختلف مفهوم رئيس الدولة وماهيته، باختلاف نظام الحكم الذي تعتنقه الدولة، فنجد أن ماهيته في النظام البرلماني، تختلف عن ماهيته في النظام الرئاسي والمجلسي، لذلك ينبغي أن نسلط الضوء على مفهوم رئيس الدولة في كل من النظامين البرلماني والرئاسي ونقارن كل ذلك بالنظام الإسلامي.

ماهية رئيس الدولة في النظام البرلماني
إن رئيس الدولة في النظام البرلماني، ليس هو رئيس الحكومة، بل هو الرئيس الأعلى للدولة ورئيس السلطة التنفيذية في الوقت نفسه، أما رئيس الحكومة فهو رئيس الوزراء (الوزير الأول) ورئيس الدولة قد يكون ملكاً وراثياً في أنظمة الحكم الملكية، كما هو الحال في المملكة المتحدة والسويد وبلجيكا وهولندا واليابان ، أو رئيساً منتخباً في أنظمة الحكم الجمهورية بواسطة هيئة انتخابية لفترة محددة من السنوات، كما هو الحال في ألمانيا وفلندا وإيطاليا والهند ويقوم النظام البرلماني على عدم مسؤولية رئيس الدولة، وتنتقل المسؤولية إلى الوزراء الذين لم يعدوا عماله وينفذون سياسته الشخصية، كما هو الحال في النظام الرئاسي، ومبدأ عدم مسؤولية رئيس الدولة نشأ في إنجلترا وذلك لوجود حصانة الملك في النظام البريطاني في المبدأ القائل (بأن الملك لا يخطئ) The King can do no wrong ويعتبر هذا المبدأ أحد المبادئ المسلم بها في القانون العام الإنجليزي، وإليه يرجع الفضل في إيجاد الوزارة في النظام البرلماني، وذلك باعتبار المقصود من مبدأ الملك لا يخطئ بأنه لا يتصرف إلا بناءً على مشورة وزرائه، فهو دائماً غير مسؤول، ولما كانت أعمال الدولة تحتم إيجاد شخص أو هيئة تكون مسوؤلة عما قد ينتج عن أعمالها وتصرفاتها من آثار لذلك أصبح وزراء الملك هم المسؤولون عن الأعمال التي تصدر باسم الملك أو رئيس الدولة فرئيس الدولة في النظام البرلماني لا يبت في الأمور بنفسه لأن التقرير في هذه المسائل يؤدي إلى المسؤولية، إذا ما اتضح الخطأ لذلك قيل "لا سلطة حيث لا مسؤولية" ، أو حيث توجد المسؤولية توجد السلطة .
ويترتب على ذلك أن رئيس الدولة لا يقوم بوضع سياسة الدولة بنفسه، ولا مشروعات القوانين حسب رأيه الشخصي، ولا يفصل في أمر من الأمور وفقاً لسياسته الخاصة، بل كل ذلك متروك للوزير الأول وأعضاء وزارته.
وخلاصة القول أن جميع السلطات التي تمنحها الدساتير المختلفة لرؤساء الدول في الأنظمة البرلمانية، كتعيين أعضاء السلطة التنفيذية، وكبار الموظفين والسفراء والممثلين الدبلوماسيين وإعلان الحرب ، وعقد المعاهدات ودعوة البرلمان للانعقاد وتأجيله وحله، واستعمال حق العفو، والتصديق على القوانين إلى آخر هذه الحقوق هي في الواقع حقوق اسمية لرئيس الدولة ويكون صاحبها الحقيقي الوزارة المسؤولية أمام البرلمان .

ماهية رئيس الدولة في النظام الرئاسي
حتى يتسنى لنا معرفة ماهية رئيس الدولة في النظام الرئاسي لابد من التطرق في الحديث عن ماهية النظام الرئاسي نفسه وفي ثنايا الحديث عن النظام الرئاسي نتطرق لمفهوم رئيس الدولة في هذا النظام وذلك وفق ما يلي: -
النظام الرئاسي هو نموذج لفردية السلطة التنفيذية، والمثال الحقيقي المعبر عن هذا النظام هو نظام الحكم المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبر فقهاء القانون الدستوري والنظم السياسية الأمريكيين أن منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو عماد النظام الرئاسي، وهو المنصب الأكثر أهمية على وجه الأرض، وبذلك يمكن القول بأن الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لما يتمتع به من سلطات لا حصر لها، ونفوذ واسع يعتبر عماد النظام الرئاسي ومركز الثقل فيه ، وبناءً على ذلك يمكن تعريف النظام الرئاسي بأنه :"نظام ديمقراطي نيابي يقوم على وحدة رئاسة السلطة التنفيذية وحصر كافة أجزائها أصولاً وفروعاً في شخص رئيس الجمهورية ، مما يؤدي إلى تمتعه بسلطات ضخمة، تعطيه قوة ونفوذاً وسلطاناً، وتمكنه من إدارة شؤون الحكم بنفسه، وبعبارة أخرى يوصف النظام الأمريكي بأنه نظام رئاسي، لأنه يعطي رئيس الجمهورية مجموعة كبيرة من السلطات والتي يكون مصدرها أساساً انتخابه من الشعب وتجعله بالتالي يتميز عن نظيره البرلماني، الذي ينظر إليه بأنه يسود ولا يحكم أي أنه مجرد رمز لا يتمتع بسلطات حقيقية فعلية في تسيير وإدارة شؤون الحكم كما تم تعريف النظام الرئاسي بأنه: "النظام الذي يتقرر فيه للرئيس الرجحان في كفة ميزان السلطات ،و على الرغم من التعريفات السالفة للنظام الرئاسي نجد أن أغلب فقهاء القانون الدستوري لا يميلون إلى تعريف النظام الرئاسي تعريفاً عضوياً، إنما يعرفونه وفقاً للأسس التي يستند عليها وهي المساواة التامة بين السلطات، من حيث المصدر الشعبي الذي ينتخب رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية، والتخصص الوظيفي الذي يعني أن البرلمان يمارس الوظيفة التشريعية ورئيس الجمهورية يمارس الوظيفة التنفيذية، والقضاء يفصل في المنازعات ، وإذا كان النظام البرلماني يتميز بوجود انفصال عضوي بين منصب رئيس الدولة ومنصب رئيس الحكومة، فإن النظام الرئاسي على النقيض من ذلك، حيث يجمع الرئيس في هذا النظام السلطة التنفيذية كلها في يده، فهو رئيس الدولة ورئيس الحكومة في ذات الوقت، وهذا ما يعبر عنه بوحدة أو فردية السلطة التنفيذية، وبناءً على ذلك فإن الرئيس هو الذي يرسم السياسة العامة للدولة، وكذلك تنفيذها، والإشراف على تنفيذها ، وبالتالي يصبح المسؤول الأول والأخير عن هذه السياسة، أمام الشعب مباشرة، ومما تجدر الإشارة إليه أن واضعي الدستور في الولايات المتحدة الأمريكية قد قصدوا من تقرير مبدأ فردية السلطة التنفيذية، أن يقف الرئيس نداً للبرلمان، والجدير بالذكر أيضاً أن النظام الرئاسي لا يكون إلا في الدول ذات النظم الجمهورية لأن الملوك يتمتعون عادة بحصانة ضد المسؤولية، بنوعيها السياسية والجنائية ، مما يتعارض مع ممارستهم للسلطة فعلاً في النظام الديمقراطي. ويترتب على مباشرة الرئيس في النظام الرئاسي لجميع مظاهر السلطة التنفيذية نتائج تتمثل في الآتي:
1/ حرية رئيس الجمهورية في اختيار معاونيه: في النظام الرئاسي يتمتع رئيس الجمهورية بحرية في اختيار معاونيه من السكرتيرين، الذين يعينون بمعرفته بالاشتراك مع السلطة التشريعية في ذلك وقد جرى العرف في الولايات المتحدة الأمريكية على ترك رئيس الجمهورية لاختيار سكرتيريه بحرية دونما اعتراض على ذلك من جانب مجلس الشيوخ وذلك حتى يتمكن من ايجاد الجهاز الإداري السليم الكفء القادر على إدارة المهمة الموكلة إليه لصالح الشعب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النظام الرئاسي، لا يعرف فكرة الوزير بالمعنى الفني والسياسي لهذه الكلمة، فالوزير السياسي الذي يساهم مع زملائه في مجلس الوزراء في رسم السياسة العامة للدولة، وفي تحمل مسؤوليتها، لا محل له في النظام الرئاسي، ومع ذلك فإن الرئيس في هذا النظام يستعين ببعض خلصائه الذين يختارهم بمحض إرادته لمعاونته في إدارة شؤون البلاد، فيخصص أحدهم لوزارة الخارجية، وآخر للمالية، وهكذا لبقية الوزارات ، ولكن هؤلاء الوزراء لا يعتبرون وزراء بالمعنى الفني لكلمة وزير أي كالوزراء في النظام البرلماني، فمعظم الوزراء في النظام الرئاسي من الفنيين، وليسوا من السياسيين الهواة، ويترتب على ذلك أن الوزير لا يرسم سياسة وزارته، وإنما هو قائم على تنفيذ سياسة رئيس الجمهورية ولهذا يطلق عليه في الولايات المتحدة السكرتير، إشارة إلى أنه ليس سوى منفذ لتعليمات وسياسات رئيس الجمهورية الذي يعتبر الرئيس الإداري الأعلى للفرع التنفيذي للحكومة الفدرالية ولذلك فإن لرئيس الجمهورية الحق في أن يعزل أياً من سكرتيريه متى شاء إذا قدر أن أحدهم غير قادر على تنفيذ سياسته أو سار على غير مقتضاها.
2/ النظام الرئاسي لا يعرف نظام مجلس الوزراء كهيئة جماعية مسؤولة عن تسيير شؤون الحكم بالمعنى المتعارف عليه في الأنظمة البرلمانية:
فما دام رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، هو صاحب السياسة التنفيذية العليا، فلا محل لأن يكون معه مجلس وزراء مسؤول أمام البرلمان أو أحد مجلسيه.
3/ انعدام المسؤولية السياسية للوزراء أمام الكونجرس، إذا كانت المسؤولية السياسية الوزارية هي حجر الزاوية في النظام البرلماني، فإن النظام الرئاسي الأمريكي لا يعرفها لأنه يقوم أساساً على مبدأ الفصل بين السلطات، فالرئيس هو الذي يختار وزراءه ويعينهم ، وهو الذي يقرر إعفاءهم من مناصبهم متى شاء، وهؤلاء الوزراء هم أعوان الرئيس الشخصيين المنفذين لسياسته، لذا فهم مسؤولون بصفة فردية أمام الرئيس، لا الكونجرس، ويترتب على ذلك أن الكونجرس لا يملك مساءلتهم سياسياً عن تصرفاتهم، ومن ثم فلا يستطيع البرلمان أن يوجه أسئلة أو استجوابات للوزراء، كما أنه لا يستطيع أن يسحب الثقة من أي منهم، وهكذا يحتفظ الوزراء بمناصبهم ماداموا حائزين على ثقة رئيس الجمهورية .وخلاصة القول إن النظام الرئاسي الأمريكي لا يعرف منصب رئيس مجلس الوزراء ، وبالتالي لا يوجد ما يسمى في النظام الرئاسي بمجلس الوزراء كهيئة متميزة يجمعها نوع من الوحدة والتجانس، ويكون للوزراء فيها سياسة خاصة، وهو ما يعني أن مبدأ التضامن الوزاري عن السياسة العامة للحكومة المعروف في الدول التي تأخذ بالنظام البرلماني، غير معمول به على الإطلاق في الولايات المتحدة الأمريكية، وفى الدول التي تأخذ بالنظام الرئاسي، ومن ناحية أخرى فإن الرئيس في النظام الرئاسي، هو المهيمن الفعلي على السلطة التنفيذية والمسؤول الأول عن أعمالها وإذا ما قارناه برئيس الوزراء في النظام البرلماني نجده يتولى أعباء أشد ويضطلع بمسؤولية أكبر ، أما أعباؤه الشديدة فمردها جمعه رئاستين في آن واحد رئاسة الدولة، ورئاسة الوزارة، وأما مسؤوليته الكبيرة فمرجعها ضآلة الدور الذي تقوم به وزارته واضطراره لأن يحكم تقديره الخاص في الكثير من الأمور.
ماهية رئيس الدولة في النظام الإسلامي(الخليفة ،الامام،أمير المؤمنين)
إن إقامة حاكم أعلى للدولة في الإسلام أمر واجب شرعاً وعقلاً بعض الذين يقولون أن الإمامة وجبت بالعقل رأيهم بأن طباع العقلاء التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجاً مضاعين.
وأما الذين أوجبوا الإمامة بالشرع، فيستندون في قولهم بأن الإمام يقوم بأمور شرعية، قد كان مجوزاً في العقل أن لا يرد التعبد بها فلم يكن العقل موجباً لها، وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء، عن التظالم والتقاطع، ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل فيتدبر بعقله لا بعقل غيره ، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين، فالشريعة الإسلامية معقولة الأحكام والغايات، ولا يتعارض العقل السليم مع أحكامها، وهذا ما استقر عليه رأي جمهور الفقهاء، وفي ذلك يقول الفقيه ابن حزم الأندلسي : اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب وعليها الانقياد لإمام عادل يقيم بين أفرادها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عدا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم فرض الإمامة ، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم ، والقرآن والسنة فيهما أدلة بوجوب تنصيب الإمام منها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } . وقوله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وقد وردت آيات كثيرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً للمسلمين، وكذلك بوجوب طاعة من يخلفه من أولي الأمر، وإلا أدى ذلك إلى النزاع والفشل، وذهاب المجد والسلطان، والقوة وتماسك المجتمع، كما أشار إلى ذلك الله عز وجل بقوله { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته". وما روي عن عبد الله بن عمر قوله: (كنا نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيقول: "ما استطعتم")، وقد روي ابن مالك قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسمعوا وأطيعوا وإن أُستعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة"،كما أن هنالك إجماع من الصحابة على ضرورة أن يكون هنالك رئيس للدولة الإسلامية ولم يكن هنالك خلاف بينهم حول تنصيب الخليفة، ولكن انصب الخلاف فى من يلي الخلافة، ويظهر ذلك في أنه بمجرد أن بلغ الصحابة نبأ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بادروا إلى عقد اجتماع السقيفة المعروف للتداول في أمر رئاسة الدولة الإسلامية، واشترك في هذا الاجتماع كبار المهاجرين والأنصار، تاركين أهم الأمور لديهم ومنها تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشييعه، وهم وإن كانوا اختلفوا حول الشخص الذي يبايعونه بالخلافة، وعلى الصفات التي تتوافر فيه، إلا أنهم أجمعوا على وجوب وجود خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما وافق بقية الصحابة الذين لم يكونوا حاضرين على ما أقره المجتمعون ولم يقل أحدُ أبداً أن لا حاجة للمسلمين إلى ذلك .
ويقصد برئيس الدولة في الإسلام الشخص الذي يتولى سياسة أمور الناس سواء المتعلقة بشؤون الدنيا أم المتعلقة بشؤون الآخرة، ولكن اختلفت تسميات رئيس الدولة في الإسلام واستعمل المسلمون ألقاباً متعددة له وهي الخليفة، الإمام، وأمير المؤمنين،

حالات شغور منصب رئيس الدولة ومعالجتها
تتفق أغلب دساتير العالم علي عدد من حالات شغور المنصب الرئاسي وتعمل على معالجتها وتتمثل أشهر هذه الحالات في الشغور بسبب الوفاة، والاستقالة، وفقدان الأهلية، والتنحية والعزل، والعجز، سنتناول هذه الحالات تباعاً كما سنتناول كيفية معالجة الشغور في مثل هذه الحالات وذلك وفق ما يلي:-

اولاً: شغور المنصب الرئاسي بسبب الاستقالة وكيفية معالجته
الاستقالة بصورة عامة تعني رغبة الموظف في أن يترك العمل نهائيا،ً وبالطبع بالنسبة لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، تعني رغبته في ترك العمل أو التخلي عنه كرئيس للجمهورية أو رئيس للوزراء بحسب الحال ، وقطعاً تأتي الاستقالة نتيجة لأسباب قد تكون صحية يكون معها الرئيس غير قادر علي أداء واجباته ،وقد تكون نتيجة لضغوط تمارس علي الرئيس نتيجة لمخالفات أو تحقيقات في قضايا تشير الأدلة إلي تورط الرئيس فيها أو غيرها من الأسباب لم نعثر علي أي حالة استقال فيها رئيس بسبب وضعه الصحي ولكننا عثرنا علي سابقة في الولايات المتحدة الأميركية استقال فيها الرئيس بسبب ضغوط التحقيق وهي استقالة الرئيس الأمريكي نكسون بسبب فضيحة ووترجيت ، ومن أهم الآثار التي ترتبت على التحقيق إجبار رئيس الجمهورية على الاستقالة وحدثت في هذه القضية الشهيرة التي أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نكسون بسبب تورطه في فضيحة اقتحام مقر اللجنة القومية للحزب الديمقراطي، بفندق ووترجيت في 17 يونيو 1972م وذلك بتستره على الذين قاموا بالاقتحام، باعتبارهم أعضاء في لجنة إعادة انتخابه وعرقلته لتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي( ) وتعتبر حالة الرئيس محمد حسني مبارك، وطريقة تركه للحكم بمثابة ضغوط وإجبار علي الاستقالة مورست علي الرئيس وحكومته من قبل الثوار لمدة ثمانية عشر يوماً حتى أعلن في يوم 11 فبراير عن طريق نائبه الفريق عمر سليمان في العام 2011م تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتعتبر التنحية في هذه الحالة بمثابة الإجبار علي الاستقالة وكلاهما له نفس المعني، وتعتبر تنحية واجبار الرئيس السوداني السابق عمر البشير عن طريق ثورة ديسمبر المجيدة التي اندلعت في ديسمبر 2018م هي أحدث حالة للإقالة والاجبار على ترك الحكم وقد عالج ونظم الدستور الأمريكي بصورة واضحة وجلية أمر الشغور بسبب الاستقالة في البند السادس من الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور، بأنه في حالة عزل الرئيس أو وفاته أو استقالته، أو عجزه عن القيام بسلطات وواجبات منصبه، يؤول المنصب المذكور إلى نائب الرئيس، وللكونجرس أن يحدد بقانون الأحكام الخاصة بعزل أو وفاة أو استقالة أو عجز الرئيس ونائب الرئيس كليهما معاً ثم يقرر من هو الموظف المسؤول الذي يتولى مهام الرئاسة ، ويبقى مثل ذلك المسؤول قائماً بمهام الرئاسة إلى أن يزول العجز أو ينتخب رئيس آخر .
واضح من خلال هذا النص أنه يعالج مسألتين في غاية الأهمية المسألة الأولى تتعلق بخلو أو شغور منصب الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو عزله من منصبه، فإن حدثت واحدة من هذه الحالات ، فإن منصب الرئيس يخلو بصفة نهائية، ويؤول حينئذ المنصب الرئاسي إلى نائب الرئيس، ويظل نائب الرئيس متولياً منصب الرئاسة حتى نهاية المدة المحددة لسلفه، حيث تجري انتخابات الرئاسة في موعدها المعتاد ،وكانت المعالجة في حالة استقالة الرئيس المصري حسني مبارك مقترح من الرئيس المستقيل نفسه بأن يتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، وقد تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوي شؤون الدولة المصرية، وأشرف علي الانتخابات التشريعية والرئاسية وسلم الرئاسة للرئيس المنتخب محمد مرسي في 30 يونيو 2012م.وقد عولجت حالة الشغور في السودان بتولي لجنة من العسكريين مقاليد الحكم والدخول في مفاوضات مع قوي الثورة حتي أسفرت هذه المفاوضات عن توقيع وثيقة دستورية تحدد هياكل الحكم في الدولة وبناء على هذه الوثيقة توصلت قوي الثورة لتشكيل مجلس سيادي يسد حالة الشغور من العسكريين والمدنيين إضافة لتشكيل مجلس وزراء.

ثانياً: شغور المنصب الرئاسي بسبب العزل وكيفية معالجته
كلمة عزل تأتي في القواميس بمعني إبعاد، وهو ذات المعني المراد في هذا المقال فالعزل من المنصب الرئاسي، يعني إجبار الرئيس علي ترك المنصب، وقد يكون ذلك بطريقة سلمية عن طريق الاحتجاج أو استصدار قرار من السلطة التشريعية والمحكمة الدستورية أو بطريقة غير سلمية عن طريق الابعاد، و الحصار، والقتل أحياناً كما حدث في ثورات الربيع العربي في العام 2011م فقد أدت الثورة في تونس إلي إبعاد الرئيس زين العابدين بن علي عن الحكم، وكذلك علي عبد الله صالح في اليمن، كما أدت الثورة في ليبيا إلي قتل الرئيس معمر القذافي وفي كل هذه البلدان انتهت حالة الشغور أما بتولي نائب الرئيس لشؤون الحكم في حالة وجود نائب رئيس أو بمجلس مؤقت يسير أمور الدولة إلي حين انتخاب رئيس.
حديثاً طالت حالة العزل الرئيسة البرازيلية والرئيسة الكورية أما بالنسبة للرئيسة البرازيلية فقد قرر مجلس الشيوخ البرازيلي، الأربعاء 31 أغسطس2016 عزل رئيسة البلاد ديلما روسيف، بعد تصويت بأغلبية الثلثين وصوت 61 عضواً لصالح قرار العزل فيما ساندها 21 عضوا فقط وقد بدأت إجراءات العزل منذ أواخر العام 2015م وفي 17أبريل 2015م صوت مجلس النواب علي استمرار إجراءات العزل وكانت إجراءات العزل بسبب سوء السلوك الإداري والتصرف في الميزانية الاتحادية للدولة حسب الأهواء أما الرئيسة الكورية فقد وافقت المحكمة الدستورية بكوريا الجنوبية بتاريخ 10 مارس 2017 علي قرار البرلمان الكوري الجنوبي بعزل رئيسة البلاد من منصبها بتاريخ 9 ديسمبر 2016 ، واعتبر رئيس المحكمة لي جونغ مي، أن عزل الرئيسة «يبرره انتهاكها الدستور والقوانين، وكانت بارك اعتذرت عدة مرات عن الفضيحة التي تعلقت باستفادة شريكة لها من منصبها، لكنها نفت أي سلوك خاطئ، وقالت: «لم أسعَ أبداً إلى مكاسب شخصية أو إلى استغلال منصبي كرئيسة»، وقد عالج الدستور الكوري الجنوبي لسنة 1948 حالة الشغور في المادة 68 الفقرة الثانية بقوله " في حال شغور منصب الرئيس، أو وفاة الرئيس المنتخب أو صدور حكم من المحكمة يفقده الأهلية أو لأي سبب آخر ينتخب خلفه خلال ستين يوماً" وفي كلا الحالتين السابقتين عٌولجت حالة الشغور بتولي نواب الرئيس إدارة شؤون الدولة.

ثالثاً: شغور المنصب الرئاسي بسبب العجز وفقدان الأهلية وكيفية معالجته:ـ
يأتي معني عجز عن الشي في معجم المعاني الجامع بمعني :ضعف ولم يقدر عليه وهو ذات المعني الذي تورده الدساتير لحالة العجز عن القيام بالواجبات الموكلة لرئيس الدولة ،وقد ينتج العجز لأسباب صحية وهو الغالب في أحوال العجز، وقد يكون لأسباب أخرى، وأفضل دستور عالج هذه المسألة الدستور الأمريكي بتعديلاته المختلفة.
فقد نص البند السادس من الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور بأنه (في حالة عزل الرئيس أو وفاته أو استقالته، أو عجزه عن القيام بسلطات وواجبات منصبه، يؤول المنصب المذكور إلى نائب الرئيس، وللكونجرس أن يحدد بقانون الأحكام الخاصة بعزل أو وفاة أو استقالة أو عجز الرئيس ونائب الرئيس كليهما معاً ثم يقرر من هو الموظف المسؤول الذي يتولى مهام الرئاسة ، ويبقى مثل ذلك المسؤول قائماً بمهام الرئاسة إلى أن يزول العجز أو ينتخب رئيس آخر.
واضح من خلال هذا النص أنه يعالج مسألتين في غاية الأهمية المسألة الأولى تناولناها آنفاً والمسألة الثانية تتعلق بحالة العجز الرئاسي أي عجز الرئيس عن القيام بواجبات منصبه، وفي هذه الحالة أيضاً يقوم نائب الرئيس بتولي سلطات ومهام المنصب الرئاسي إلا أن المادة لم تتطرق إلى تحديد الجهة المختصة بإعلان عجز الرئيس، وهو ما أدى إلى إثارة التساؤل حول الجهة أو السلطة التي تملك مثل هذا الاختصاص ، وللإجابة على هذا التساؤل فنجد أن الوضع قبل عام 1967م كان مستقراً على أن الرئيس نفسه هو الذي يملك السلطة في إعلان عجزه، إلا إذا كان عجزه لا يمكنه من هذا الإعلان ،كما استقر الرأي أيضاً في هذا الشأن بأنه لا توجد سلطة يمكنها أن تعلن قيام عجز الرئيس، وتقوم بتولية نائب الرئيس مهام الرئاسة إذا ما رفض الرئيس الإعلان عن عجزه، وظل هذا الوضع على ما هو عليه إلى أن تم اقتراح تعديل الدستور ومعالجة الخلل في مثل هذه الحالة بواسطة الكونجرس عام 1967م وفعلاً تم إجازة التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي الذي فصل هذا الأمر وكان أهم ما تناوله التعديل هو تحديد الجهة المختصة بالإعلان عن قيام حالة عجز الرئيس، حيث نص في الفقرة الثالثة منه بأن رئيس الجمهورية يمكنه أن يعلن عجزه عن القيام بسلطات وواجبات منصبه بنفسه، ويكون ذلك بأن يرسل الرئيس إعلاناً مكتوباً إلى كل من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب ويتولى في هذه الحالة نائب الرئيس سلطات وواجبات منصب الرئاسة حتى إصدار الرئيس تصريح بزوال أسباب عجز.
وقد تم تطبيق هذه الفقرة مرتين بعد صدور التعديل الخامس والعشرون المرة الأولى في عهد الرئيس رونالد ريغان ((عندما خضع الرئيس في 13 يوليو 1985م لعملية جراحية لاستئصال نسيج سرطاني من قولونه ونظراً لأن العملية تتطلب إعطاءه مخدراً عاماً وتحسباً لأي طارئ ، فقد أرسل الرئيس ريغان رسالة خطية إلى كل من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب، يخبرهما فيها بأنه بملء إرادته قرر أن يقوم نائبه جورج بوش الأب بتولي سلطات وواجبات منصب الرئاسة نيابة عنه ابتداءاً من اللحظة التي سيتم فيها حقنه بالمخدر، وبعد مرور ثمان ساعات على إجراء العملية الجراحية أفاق ريغان من البنج ووقع رسالة ثانية بعث بها إلى كل من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب، معلناً فيها استرداد سلطات وواجبات منصبه)) ،أما المرة الثانية فكانت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش الابن ((حيث خضع الرئيس بوش بتاريخ 29 يونيو عام 2002م لعملية جراحية تنظير للقولون ووفقاً للتعديل الدستوري المذكور قام بإرسال رسالة خطية إلى زعماء الكونجرس يخبرهم فيها بأن نائبه ديك تشينى سيمارس مهام الرئاسة طوال فترة التخدير، وبمجرد استعادة الرئيس وعيه وافاقته من البنج أرسل إلى زعماء الكونجرس كتاباً باسترداد سلطات منصبه))
وكذلك نص التعديل الدستوري في فقرته الرابعة (بأنه إذا لم يكن في مقدور الرئيس أن يعلن عجزه عن القيام بسلطات وواجبات منصبه، أو كان ذلك في مقدوره ولكنه لم يفعل ، فإنه يكون من سلطة نائب الرئيس بالاتفاق أما مع هيئة مكونة من أغلبية الموظفين الرئيسيين في الوزارات التنفيذية أي أغلبية الوزراء أو السكرتيرين، أو مع هيئة أخرى يحدد الكونجرس تشكيلها بقانون ، وهذه الهيئة تكون غالباً لجنة من أشهر الأطباء ، ويكون لنائب الرئيس وهذه اللجنة أن يتقدموا بإعلان خطى أو مكتوب إلى كل من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ولرئيس مجلس النواب، يعلنون فيه عجز الرئيس عن القيام بسلطات ومهام منصبه.
لكن التعديل الدستوري المذكور أجاز في هذه الحالة الأخيرة لنائب الرئيس بالاتفاق مع أغلبية أعضاء أي من الهيئتين المشار إليهما آنفاً الاعتراض على الإعلان المقدم من قبل الرئيس بخصوص زوال حالة العجز عنه، وذلك عن طريق إرسال إعلان مكتوب في غضون أربعة أيام من تاريخ صدور إعلان الرئيس إلى كل من الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب، مفاده أن الرئيس عاجز عن القيام بسلطات وواجبات منصبه، وهنا تعود للكونجرس وحده سلطة البت في النزاع القائم بين الرئيس ونائب الرئيس.
حيث يتعين على الكونجرس أن ينعقد خلال ثمان وأربعين ساعة إذا لم يكن في حالة انعقاد من أجل ذلك الغرض فإذا قرر الكونجرس في غضون واحد وعشرين يوماً تبدأ من تاريخ تسلمه الإعلان الخطي المتعلق باعتراض نائب الرئيس أو من تاريخ دعوة الكونجرس للانعقاد إذا لم يكن منعقدا وبأكثرية ثلثي أصوات مجلسي الكونجرس النواب والشيوخ أن الرئيس عاجزُاً عن القيام بسلطات وواجبات منصبه يستمر نائب الرئيس في مباشرة سلطات وواجبات منصب الرئيس بالوكالة ، أما إذا كان الأمر خلاف ذلك بأن قرر الكونجرس عدم عجز الرئيس فإن الرئيس سيستأنف مباشرة سلطات وواجبات منصبه."
أسباب شغور منصب رئيس الدولة (الخليفة، الإمام أمير المؤمنين) في الفه الإسلامي وكيفية معالجتها: -
ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا تمام للدين والدنيا إلا بها وذلك لأن الناس لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، وقد قال: علماء الاجتماع أن الإنسان اجتماعي بطبعه،
وقد نجم من هذا الطابع الاجتماعي للأفراد حاجة بعضهم إلى بعض، تعاوناً وتناصراً، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتي قال: النبي صلي الله عليه وسلم، (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) وبذلك أوجب النبي صلي الله عليه وسلم تأمير أحد الناس في الاجتماع القليل العارض في السفر وهو من باب أولي في أنواع الاجتماع الأخرى التي هي أكثر وأدوم وذلك لأن الله تعالي أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر الواجبات من والعدل وإقامة الحدود الخ........... ولهذا قال: البعض أن السلطان ظل الله في الأرض، والواقع العملي يبين أهمية وجود حاكم في سدة الحكم لأي دولة، والدولة التي يشغر فيها منصب الحاكم بموت أو قتل أو غيرهما من الأسباب يجري فيها من الفساد في الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا الله وحده.
وباستقراء تاريخ الدولة الإسلامية نستشف أن من أهم الأسباب الظاهرة التي تؤدي إلى شغور منصب رئيس الدولة الإسلامية ، الوفاة سواءً أكانت وفاة طبيعية كوفاة الرسول صلي الله عليه وسلم والتي أدت لشغور منصب رئيس الدولة الإسلامية، أو الوفاة اغتيالا كما حدث للخلفاء الراشدين الثلاث رضوان الله عليهم عمر وعثمان وعلي ، ولخطورة ما يترتب على الفراغ الرئاسي في أهم منصب من مناصب الدولة كما أسلفت، اهتم الصحابة بضرورة تنصيب ومبايعة حاكم جديد يخلف سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بأعجل ما تيسر، ليتولى أمر المسلمين الديني والدنيوي، وقدموا هذا الأمر على أهم أولوياتهم وهي دفن رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ويتوجب أن تتوافر في من يلي أمر الأمة الإسلامية عددٌ من الشروط أفاض في شرحها الفقهاء فإذا توافرت هذه الشروط تنعقد له البيعة أو يعهد إليه برئاسة الدولة الإسلامية، وبعد تنصيب رئيساً للدولة الإسلامية تنشأ في مواجهته مجموعة من الواجبات ينبغي عليه القيام بها وإلا في حالة تقصيره في أداء واجباته تجاه الأمة الإسلامية أو اختلال أحد الشروط المعتبرة لتولي السلطة فإن كل ذلك أسباب لعزل رئيس الدولة الإسلامية واختيار خلفاً له.
وقد تحدث الفقهاء أن انتفاء شرط العدالة مثلاً يعتبر سبب لعزل رئيس الدولة عن منصبه والجرح في العدالة يعني الفسق وهو أحد أمرين الأول فيهما متابعة الشهوة بارتكاب المحظورات والإقدام على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوي، والثاني هو الاعتقاد الفاسد، والجرح في العدالة سبباً لعزل رئيس الدولة على اختلاف بين الفقهاء فيما إذا توفر شرط العدالة بأن ترك الحاكم ما عليه من فسق هل يعود لرئاسة الدولة أم لا، هناك من يرى ضرورة بيعة جديدة أو عهد جديد لتولي السلطة للرئيس المجروح في عدالته، وهناك من يرى عودته لرئاسة الدولة طالما توافر شرط العدالة.
وعلاوة على الأسباب الآنف ذكرها تحدث فقهاء الشريعة الإسلامية عن أسباب أخرى لشغور المنصب الرئاسي في الدولة ،فنجد أنهم يتحدثون عن العجز البدني كواحد من الأسباب، وعندما يتحدث فقهاء الشريعة الإسلامية عن العجز البدني فهم يقصدون نقص الحواس ومن الحواس التي تؤدي لشغور المنصب الرئاسي زوال العقل ، وزوال العقل عندهم هو الجنون ويشترط في الجنون حتي يعتبر سبباً من أسباب الشغور أن يكون جنوناً دائماً لا متقطع لأنهم اختلفوا في حالة إصابة الرئيس بالجنون المتقطع هل يمنع ذلك من استمراره في رئاسة الدولة أم يعزل، كما تحدث الفقهاء عن زوال البصر كأحد الأسباب الداعية لترك منصب رئاسة الدولة الإسلامية(الإمامة) وفى هذا السبب من أسباب الشغور يفرقون بين العمى، والعشى، فالعمى هو فقدان البصر تماماً فهو سبب من أسباب الشغور، أما العشى وهو مرض يصيب العين يجعل المصاب به لا يري في الليل، فهو ليس سبب من أسباب الشغور عندهم. ولكن هناك عدد من الفقهاء يرى أن توافر شروط رئاسة الدولة الإسلامية في شخص أثناء البيعة أو العهد كافية لتولي رئاسة الدولة ولا يمكن عزله بعد ذلك بسبب اختلال واحد من هذه الشروط أو عدم قيامه بواجباته تجاه الأمة الإسلامية ويضربون المثل بالخليفة المأمون فرغم اختلال بعض الشروط وعدم القيام بالواجبات كاملة تجاه الأمة الإسلامية إلا أن الإمام أحمد بن حنبل لم يخرج عليه ويعتبرون أن هذه إشارة كافية للتسليم له كحاكم.
كما تحدث الفقهاء عن فقدان الأعضاء الحيوية في الجسم كأحد الأسباب التي تؤدي لشغور المنصب الرئاسي وفى ذلك تحدثوا عن فقدان اليدين والرجلين واعتبروهما سبباً من أسباب شغور المنصب الرئاسي ، وذلك لأن ذهاب اليدين يمنع من العمل وذهاب الرجلين يمنع من إظهار قوة الحاكم ومهابته، ولكن اختلف الفقهاء حول فقدان أحد اليدين أو الرجلين فريق يرى أنه سبب لشغور المنصب الرئاسي وفريق آخر يرى العكس ، كما يرى الفقهاء أن أسر رئيس الدولة أيضاً يعتبر أحد الأسباب الموجبة لشغور المنصب الرئاسي، ولكن حتى يعتبر الأسر من أسباب الشغور هناك واجب أولاً على الأمة الإسلامية في انقاذ رئيسها وذلك لأن رئاسته للدولة تلزم الأمة وتوجب عليها نصرته طالما كان على سدة الحكم، إما عن طريق القتال أو عن طريق الفدية ، أما إذا وقع اليأس من تحريره بالفداء أو القتال فإذا كان الذين وقع في أسرهم مشركين فإن منصبه يشغر لليأس من خلاصه ،وبالتالي ينبغي اختيار خلفاً له.
كيفية معالجة شغور منصب رئيس الدولة في الفقه الإسلامي(الخليفة، الإمام أمير المؤمنين): -
لخطورة استمرار حالة شغور المنصب الرئاسي، وما يترتب عليها من فتنة وفوضى في الدولة لا بد من وضع طرق واضحة لمعالجتها، وقد تحدثت أغلب كتب السياسة الشرعية عن طريقتين لتولي رئاسة الدولة الإسلامية الطريقة الأولي هي البيعة وهي أن يبايع الناس رئيس جديد للدولة يرتضوه خلفاً للرئيس السابق ويظهر هذا جلياً في طريقة تولي سيدنا أبوبكر الصديق للخلافة (رئاسة الدولة الإسلامية) والحوار الذي جري بين الصحابة رضوان الله عليهم في سقيفة بني ساعدة والذي انتهي بقناعة الصحابة باختيار سيدنا أبوبكر الصديق ليلي أمر المسلمين ولم يشذ عن ذلك إلا القليل ، والطريقة الثانية هي العهد وهي أن يعهد ويوصي رئيس الدولة برئاسة الدولة من بعده لأحد الناس يختاره للمسلمين وتم تطبيق هذه الطريقة في صدر الإسلام أيضاً بأن اختار سيدنا أبوبكر الصديق قبل وفاته سيدنا عمر بن الخطاب ليلي أمر المسلمين من بعده ، وكلتا الطريقتين أُسندت عن طريقهما رئاسة الدولة الأسلامية والأمثلة كثيرة على ذلك ولكن نكتفي بالأمثلة التي أوردناها لعهد صدر الإسلام .
ونستشف ضرورة معالجة حالة الشغور في الفقه الإسلامي مما ذكره الماوردي في أنه لو عهد الخليفة برئاسة الدولة الإسلامية إلى أثنين أو أكثر ورتب الخلافة بينهم فقال :الخليفة بعدي فلان،فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فإن مات فالخليفة بعده فلان ،جاز ذلك وكانت الخلافة متنقلة بينهم الثلاثة على ما رتبها ،واستدل على ذلك بفعل رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة مؤتة ،فقد استخلف على قيادة الجيش زيد بن حارثة وقال: فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب ،عبدالله بن رواحة ،فإن أصيب فليرتضي المسلمين رجلاً ،فتقدم زيد بن حارثة فقتل فأخذ الراية بعده جعفر بن عبد المطلب فتقدم فقتل فأخذ الراية عبدالله بن رواحة فتقدم فقتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد ، فاذا فعل النبي صلي الله عليه وسلم ذلك في إمارة الجيش جاز مثله في الخلافة كما أن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر الصديق للصلاة بالناس عندما اشتد عليه المرض ،كان واحد من الحجج التي استند عليها المتحاورون في سقيفة بني ساعدة من ضرورة مبايعة سدنا أبي بكر،كما تعتبر مسارعة الصحابة لعقد اجتماع سقيفة بني ساعدة لاختيار رئيس جديد للدولة(خليفة)إشارة واضحة بضرورة معالجة شغور المنصب سواء أكان بالبيعة أم بالعهد. هذا المقال مستل من ورقة علمية قمت بتقديمها ونشرها في المؤتمر العلمي الأول للقضايا المعاصرة ومقاصد الشريعة الذي نظمته جامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه الإسلامية بماليزيا بتاريخ الثالث والعشرون من ديسمبر من العام 2018وقد نشرت الورقة في المجلد الخامس من مجلدات المؤتمر من أراد أن يستزيد فعليه مراجعة كلية الشريعة والقانون في الجامعة المشار أليها وسيجد تفاصيل الورقة والنتائج والتوصيات والمراجع التي رجعت لها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.