في واحدة من المقابلات التلفزيونية التي يجريها الصحافي ضياء الدين بلال، سأل الدكتور منصور خالد؛ الصادق المهدي مفكر؟ قال منصور خالد: الصادق من الشخصيات المأساوية، لا يسمح أن يكون بجانبه مفكر أو صاحب رأي، و قال أيضا: أن الصادق يعاني من نزاع داخلي بين قرأته في كسفورد، و هو رجل مطلع و متعلم يريد أن يكون مهديا حديثا، ليس بمهدية الصديق و لا محمد أحمد المهدي، خلافا لرؤية الجزيرة أبا. 

أكتب عن المهدي في هذا المقال عن تجربة خاصة، بشيء من المعرفة لشخصية الصادق المهدي، ثم نعرج لموقف الأمة الجديد من تحالف قوى الحرية و التغيير. أتاحت إلي فترة التجمع الوطني الديمقراطي في القاهرة، حيث كنت مديرا "للمركز السوداني للثقافة و الإعلام" و التقيت بالصادق في العديد من الجلسات و الندوات السياسية و الثقافية، و أيضا الجلسات الخاصة في حوارات تشمل موضوعات شتى. المهدي يملك ثلاث خصائص غير متوفرة في العديد من القيادات السياسية السودانية. الأولي أن بابه مفتوحا و يستطيع الراغب في مقابلته أن يلتقيه بسهولة جدا. الثاني أن الصادق مستمع جيد لا يقاطع، حتى يكمل المتحدث حديثه. الثالثة لا يستطيع شخص أن يفرض عليه رآي، لذلك يجادل كثيرا و لا يتردد في تقديم رؤيته حتى إذا كانت تتعارض مع رؤية الآخرين، و هذه الخاصية كانت تزعج بعض القيادات السياسية و خاصة الدكتور جون قرنق.
بعد اتفاقية أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995م التي أتفقت عليها كل القوى السياسية. كانت الحركة تفاوض الحكومة في أبوجا بتصورها دون الاتفاقية، و حتى في نيفاشا، و انتقدت ذلك في عدد من المقالات كتبتها في جريدة " الخرطوم". و بعد خرج المهدي في تهتدون، و في إحدي الندوات السياسية؛ قال المهدي: نحن بنعمل اتفاقيات و نتعاهد عليها ثم نضعها في الرف كوثائق و نتحاور مع السلطة بأجندة خاصة. هذه المقولة أغضبت قرنق غضبا شديدا، هذا ما سمعته من قيادات لقوى في التجمع. رغم أن كل القوى السياسية ما كانت تنطق ببنت شفه، و لم تنتقد قوى التجمع مطلقا حركة، حتى لم تقيم نيفاشا التي خسر فيها التجمع معركته السياسية.
مأخذي علي المهدي في القضايا التي نطقها منصور خالد. أن المهدي و هو ينتج هذا الإنتاج الغزير من المقالات و المبادرات السياسية، كان عليه أن يسأل نفسه؛ لماذا كل هذه المقالات و المبادرات لم تخلق حوارا بصورة واسعة وسط المثقفين السودانيين؟ و أيضا يسأل نفسه لماذا لا يأخذ مثقفي حزب الأمة المقالات و المبادرات بالتشريح و التمحيص، و يخلق حوارات داخلية في الحزب و خارج الحزب؟ هل لآن المهدي لا يقبل أن يبرز من خلال هذه الحوارات مفكرين و آهل رآي؟ رغم أنني جلست في القاهرة و اسمرا؛ جلسات حوارية في مجال السياسة و الثقافة مع أبناء المهدي أم سلمة و مريم و زينب و عبد الرحمن و بشرى و محمد أحمد، و هؤلاء من خلال الحوار معهم تتلمس سعة الاطلاع و المعرفة، و هم لا يجادلون إلا عن معرفة، و لديهم تصورات جميلة في السياسة و الثقافة بعيدة عن رؤية الوالد. و أيضا زوجتيه السيدة حفيه و السيدة سارة عليها الرحمة، تتلمس سعة في الاطلاع و المعرفة و الثقافة، و سارة و رشيدة عبد الكريم كنت قد سافرت معهما ضمن وفد إلي إيران، كان الوفد يضم عدد من الشخصيات السياسية، حزب أمة و اتحادي و جبهة إسلامية، أتاحت الزيارة لي فرصة لجلسات حوارية، حيث كانت الزيارة أسبوعا كاملا. و في الجانب الآخر؛ أن حزب الأمة يملك عدد من الشخصيات التي تعتز برأيها و لديها القدرة علي المجادلة و الحوار، و هؤلاء لا يقبلون بالإملاءات. لكن كل هؤلاء لماذا لا يضعون مقالات الزعيم علي موائد الحوار و يفندونها و ينتقدونها لكي يعطوها البعد الثقافي و إثارة الجدل وسط المثقفين. و أي قائد ديمقراطي عندما يقدم رؤية، أو قضية يعتقد أنها ذات أهمية في العمل السياسي، يقدمها و هو متأكد إنها تحتاج إلي تطوير من قبل الآخرين. فالذي يريد الآخرين فقط أن يبصموا علي إنتاجه الفكري يكون مشروع لديكتاتور.
كل هذه المقدمة الطويلة: تمهيدا للدخول في الإجابة لسؤال مهم: لماذا قدم حزب الأمة دعوة جمد فيها نشاط الحزب في تحالف قوى الحرية و التغيير؟ هل للحزب الحق أن يثير قضية هيكلة التحالف بما يتناسب مع الأحداث الجارية" و هل الحزب من حقه أن يطالب بتوسيع قاعدة التحالف إذا رآى ضرورة لذلك؟ و هل هناك أسباب جوهرية في الدعوة؟ و الدعوة جاءت باسم الصادق المهدي أم من قبل مؤسسة من مؤسسات الحزب؟ هذه كلها أسئلة تحتاج إلي إجابة للذين يريدون مناقشة دعوة المهدي، رغم هناك البعض الذين يطلقون أحكاما دون دراسة و تمحيص، هؤلاء لا يشتغلون كثيرا بقضية دراسة الدعوة و الإجابة علي الأسئلة، لأنهم محكومون بالعاطفة، أي شيء يخرج من المهدي غير مقبولة.
يقول الخبر أن حزب الأمة دعا في بيان للأمانة العامة، لمؤتمر تأسيسي للقوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، "لدراسة واعتماد العقد الاجتماعي الجديد لإصلاح هياكل الفترة الانتقالية لتحقق مهامها الواردة في الوثيقة الدستورية ".وأضاف أيضا: "إذا استجاب حلفاؤنا لهذا الطلب في ظرف أسبوعين نلتقي في المؤتمر التأسيسي للاتفاق على الإصلاح، وعدم الاستجابة لهذا المطلب يوجب علينا العمل من أجل تحقيق التطوير والاصلاح المنشود مع كافة الجهات الوطنية من قوى التغيير والحكومة التنفيذية والمجلس السيادي بشقيه المدني والعسكري".وتابع بيان الحزب الذي يترأسه الصادق المهدي: "تقرر أن يجمد الحزب أنشطته في كافة هياكل قوى الحرية والتغيير ولجانه الراهنة فورا".
مثل هذه الدعوة يجب التعامل معها بأفق أوسع و ليس من خلال قاعدة " Like – Dislike " التي درج التعامل بها من خلال قطاع من المثقفين و النخب السياسية. و الديمقراطية تحتم علي الأخرين اتساع الصدر و فتح الذهن، و هناك البعض الذين يعتقدون أن كل الذين يختلفون معهم في الرأي هم خارجين علي مباديء الثورة. كأن الثورة ملك لقطاع محدد من الناس، و هم وحدهم الذين يقررون من الذين مع الثورة و من الذين ضدها، هؤلاء يضيقون مساحة و مواعين الحرية، باعتقادهم وحدهم هم الذين يملكون الحقيقة. و أيضا هناك قوى سياسية لا تقبل المجادلة في رؤيتها، و صحيح أن هناك ضعف تعاني منه القوى الليبرالية، الأمر الذي أدى أن تقبض بعض القوى الريديكالية علي مفاصل التحالف و تضع بصماتها الواضحة علي سلطة الفترة الانتقالية، و تحاول أن تفرض تصوراتها علي الأخرين مستعين أيضا بكتاب ريديكاليين، و اعتقدوا أن هذا هو المسار الصحيح لتحقيق عملية التحول الديمقراطي، و يريدون أن يستمر العمل السياسي برؤية آحادية، الأمر الذي جعلهم يصنعوا فزاعات تحد من عملية النقد، من خلال إطلاق شعارات الإقصاء و الوعيد، فإذا كان هناك أي رأي مخالف قدمه شخص أو قوى سياسية يقابله البعض بأنه خروج من خط الثورة، هؤلاء ينصبون أنفسهم أوصيا علي الآخرين، و أيضا هم الذين يجيزون ما هو متوافق مع الثورة ، و ما لا يتوافق معها، و هذا الحكم لا يخرج إلا من أصحاب الأيديولوجيات، و نكون قد خرجنا من حكم أيديولوجي أقعد البلاد، إلي حكم أيديولوجي أخر يريد تشييد قواعد جديدة للديكتاتورية.
كان المعتقد؛ في ظل الحرية و الديمقراطية التي تعيشها البلاد، أن تأخذ القوى السياسية وقت لدراسة الدعوة، و الرد عليها سلبا أو إيجابا حسب ما يراه أي حزب، في هذه الدعوة. لكن تفاجأ أن أمين عام حزب المؤتمر السوداني خالد عمر يرد علي دعوة حزب الأمة بتغريدة باعتبارها موقف الحزب. يقول فيها " سنمضي في هذا الطريق حتى يكتب لثورتنا النجاح أو نذهب للمشانق عبر الإنقلاب الذي تخدمه قوى عديدة بوعي أو بدون وعي" و مسألة الانقلاب إشاعة متداولة في وسائل الاتصال، يعتقد البعض أن حزب الأمة مشارك فيها مع بعض من قيادات عسكرية في مجلس السيادة. هذه التغريد تؤكد مجافاة بعض القيادات للعمل المؤسسي، و كان المؤسسية تجبر خالد سلك ينتظر أن يبحث حزبه الدعوة ثم يصدر موقفه، مما يؤكد أن الديمقراطية ما تزال شعارات غائبة في الممارسة، و أن الديمقراطية ما يزال طريقها متعثرا. و يحاول رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير أن يصحح بطريق غير مباشر تغريدة الأمين العام في حديثه لجريدة " الجريدة" يقول فيه " أن قوى الحرية و التغيير يحتاج إلي إصلاح، و أن الأمة تقدم بمذكرة أطلق عليها عقد اجتماعي جديد للتواصل لاتفاق حولها." و أيضا طالب حزب الأمة أن يعدل في قراره. و حزب الأمة عندما يجمد نشاطه لكي يعطي القوى السياسية فرصة أن تقول رؤيتها دون تأثير عليها من قبله. هذا حديث جيد فيه حكمة، لكن تغريدة الأمين العام تريد أن تتظلل بريديكالية التي تجافي شروط الديمقراطية التي تقوم علي المؤسسية. و ضربت مثلا بحزب المؤتمر السوداني اعتقادا أنه يمثل أحد اليتارات الليبرالية لكن أمينه العام أختار الريديكالية.
هناك قضيتان مهمتان في دعوة حزب الأمة للإصلاح. الأولي توسيع قاعدة المشاركة، و من قبل القوى التي كانت قد شاركت في الثورة و لكنها لم توقع علي " إعلان الحرية و التغيير" و هذه الدعوة ليس لآن حزب الأمة يريد أن يتحالف مع الإسلاميين، لكن أي عاقل و ديمقراطي يعرف تماما، أن الديمقراطية تستمر و تسلم من التحديات و مؤامرات عندما تكون ذات قاعدة اجتماعية عريضة، و القوى التي ترفض توسيع القاعدة هي التي بالفعل تريد أن تؤسس لنظام شمولي بمظلة من الشعارات الديمقراطية. و ظهرت تلك في التعينات التي تتم في الوظائف القيادية للخدمة المدنية، و التي كانت قد استنكرتها بعض القيادات داخل قوى الحرية و التغيير، منهم عمر الدقير و بيان صدر من الحزب الشيوعي برفضه لتسيس الخدمة المدنية. و بكل شفافية أقول أن الذين يمارسون عملية التعين، هي لجنة موجودة في مكتب رئيس الوزراء بقيادة وزير شؤون مجلس الوزراء و الشيخ خضر و حاتم قطان و أمجد فريد و النذير الوراق. السؤال لماذا يسكت عنها الذين يعتقدون أنهم يدافعون عن الحقيقة؟ مثل هذه الافعال الصغيرة لا تتم من عناصر مؤمنة بالديمقراطية و تطبيق العدالة، أن تكون الوظائق حق لكل المواطنين. فالذين يستغلون وظائفهم من أجل ممارسة ذات التمكين هل سوف يكونوا حريصين لبناء النظام الديمقراطي. الثاني في الدعوة؛ قبل قوى الحرية و التغيير أن تقدم مرشحيها الولاة للولايات، لماذا رفضت بكل شفافية أن تعرضهم علي الشعب، لكي يقول رآيه في الولاة المرشحين. لأن الولاة الذين يجب تعينهم يجب أن يكونوا مقبولين من قاعدة عريضة من المواطنيين في الإقليم . و رفضهم كشف الأسماء قبل التعين لأنها محاصصة بين قوى سياسية، بعضها لا يستطيع أن يجمع كل مؤيديه في فصل من فصول مدرسة، كيف يتم ترشيح ولاة من أحزاب عضويتها تعد علي أصابع اليد إلي أقليم في دولة تعاني من إشكاليات عديدة. و هذا ما يقوله حزب الأمة...! و ترفضه بعض القوى التي تعلم أنها لا تصل لمثل هذه الوظائف إلا بالتعيين. فالإصلاح مسألة ضرورية و خاصة خطوات السلطة الانتقالية متعثرة. و حتى لا تجر إلي معارك أنصرافية. بترشيح الولاة و عدم إعلانهم للشعب قبل إرسالهم لرئيس الوزراء للتعين تكون قحت قد أقرت أنها مع المحاصصة، و مع تغييب الشعب، فهل المواطنيين الذين هم في الأقاليم ليس جديرين بالسلطة. أين الشفافية. أليست هذا التمكين بعينه. بل حتى قحت رشحت وزراء و معتمدين الاقاليم.
الحقيقة التي يجب أن تعيها الجماهير؛ أن الإنقاذ سقطت و لن تعود مرة أخرى للحكم، إذا كان عن طريق انقلاب أو بالوسائل الديمقراطية، لآن الذي أسقط الإنقاذ ليس غزوا أجنبيا أو انقلاب عسكريا، بل هو جميع الشعب السوداني، لذلك لا رجعة للإنقاذ مرة أخرى. و أن شائعات الانقلاب التي تخرج بين فترة و أخرى، تخرجها قوى داخل تحالف قحت، و التي تريد إثارة البلبة حتى تفشل سلطة الفترة الانتقالية في انجاز مهامها، و تصبح هناك دعوة لمد الفترة الانتقالية، هؤلاء أيضا الذين يرفضون أي إصلاح في التحالف بما يساعد على الاستقرار في البلاد. و إذا فكرنا بروية في مسألة الانقلابات و أن عناصر الدولة العميقة يريدون إثارة الشغب، نجد أن مصلحة عناصر الدولة العميقة نجاح الفترة الانتقالية بسرعة حتى تأتي الفترة التي تمنحهم حق المشاركة في الانتخابات، لأنها فرصة لهم الدخول من خلال العديد من الأحزاب، لذلك فشل الفترة الانتقالية ليس في صالحهم. و الانتخابات لا تأتي بحزب واحد، بل تأتي بمجموعة من الأحزاب، لذلك لن تعود الإنقاذ.
صحيح أن الانتخابات سوف تأتي بالقوى السياسية التي لها قاعدة اجتماعية. كما أن الكتل الانتخابية في الاقاليم و القرى تختلف عن الكتل الانتخابية في بعض العواصم، و معلوم أن هناك قوى سياسية الأن هي في دائرة الضوء، و بعد الانتخابات ربما تتحول لصحيفة فقط، إذا كان لديها القدرة علي النشر، كما هو حال بعض الأحزاب في مصر مثل الوفد و الناصري و التجمع تنقصهم القاعدة الاجتماعية و يطلون علي الناس من خلال الصحف، لكن الثورة حتما سوف تكون قد أحدثت بعض التغيير في القواعد الاجتماعية في مناطق الحروب. و معلوم أن حزب الأمة و الاتحادي الأصل بقيادة الميرغني و الإسلاميين و بعض الحركات المسلحة في مناطق دارفور و النيل الأزرق و جنوب كردفان سوف ينالون نصيب الأسد في الدوائر الانتخابية. لكن المهم تعبيد طريق الديمقراطية و ترسيخها و استمراريتها حتى تحدث دورات انتخابية متتالية و عديدة، هي التي تقود للوعي الجديد و المتجدد في المجتمع، الحفاظ علي الحرية لكي تؤدي الصحافة و أجهزة الإعلام دورها التثقيفي و السياسي لزيادة الوعي الجماهيري. هذا هو الطريق الذي يؤمن الديمقراطي و يصبح اختيار المرشح علي أسس البرنامج و التأهيل، و أن تتخلى بعض القوى الأيديولوجية عن ريديكاليتها و تتبنى طريق الديمقراطية. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.