في صباح هذا اليوم، أتصل بي وزير شئون الرئاسة في جمهورية جنوب السودان، الصديق مييك دينق وطلب مني الحضور الى مبنى الرئاسة لمقابلة رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت، الذي كان سيُدلي بحديث موجّه لشعبي السّودان، ينعي فيه الى الشعبين رحيل المفكّر والوطني الكبير وأحد قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في البلدين قبل إستقلال جنوب السودان الدكتور منصور خالد، وحينما التقيت بالرئيس وتبادلت معه العزاء والحديث عن رحلتنا الطّويلة مع د. منصور خالد، ورحلاتنا المُشتركة برفقة الرئيس إلى الجزائر والقاهرة وغيرها من العواصم والبلدان، وقد كان الرئيس سلفاكير متأثراً وأبدى حزنه العميق على رحيل د. منصور خالد الذي كان صديقاً حميماً ورفيقاً للرئيس وتذكّر الرئيس حينما طلب مني د. منصور خالد أن يهاتف الرئيس من العاصمة الخرطوم في ديسمبر من العام الماضي لأنه؛ يرى أن ساعة الرحيل قد أزِفَتْ وأنه يودّ أن يودع شعب جنوب السودان والرئيس قبل أن يرحلْ، وقد قام الرئيس سلفاكير بإجراء كل التّرتيبات اللّازمة مع حكومة السّودان حتى تم توفير طائرة خاصة أقلّت الدكتور منصور خالد من الخرطوم الى جوبا في يناير الماضي، وانتظرت حتى صباح اليوم التّالي لتقّله في رحلته الأخير من جنوب السودان- ورحلته الأخيرة إلى العالم الخارجي وهو الذي طاف الدّنيا وارجاء الكرة الارضية في رحلةٍ عظيمة، كان عنوانها الفكر والعلم والدّبلوماسية.

اليومُ اتخذ الرئيس سلفاكير ميارديت قراراً استثْنائياً؛ لم يكن تكريماً وحداداً على د. منصور خالد فحسب بل هو تكريم لشعبي السّودان ولمستقبل العلاقات بينهما، فقد قرر الرئيس سلفاكير تنكيس العلم لمدة ثلاثة أيام حداداً على د. منصور خالد وإعترافاً بفضله وموقفه القوي والقاطع في مساندة المُهمّشين في السودان ومساندة شعب جنوب السودان وقد طلب الرئيس حضور السّفير السّوداني الأستاذ عادل إبراهيم وأدلى بتصريحٍ نعى فيه صديقه الدكتور منصور خالد وأعلن فيه الحداد لمدة ثلاثة أيامٍ ونوّه بمساهمات الدكتور منصور ومحبته لشعبي السودان.
وفي مباني رئاسة الجمهورية التقيت بنائب الرئيس مدام ربيكا ديمبيور وتبادلنا العزاء، فهي والراحل الكبير والمفكر والقائد الدكتور جون قرنق أصدقاء عزيزين على د. منصور خالد.
لقد بذل الدكتور منصور خالد جهده للحفاظ على وحدة السّودان، ورغم ان السّودان يضم الآن بلدين ولكن الحزن على الدكتور منصور خالد قد وحّد البلدين، فرحيله قد أرسل رسالة من رسائل الوحدة وان كانت حزينة.
أن رؤية السودان الجديد تقومُ على فكرة السّودانوية وتظل رابطاً عميقا من روابط الشّعبين مثل التاريخ والجغرافيا والمصالح.

جوبا- 23 ابريل 2020