أفْضَل اسْتِجابَة لأزْمَة الفيروس المُسْتَجِد جاءت من دولٍ تقودها نِساء

‏‪عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هل ستَسْتَعِد الحكومة الإيطاليّة بالفعل لمُغادَرةِ الاتحاد الأوروبي؟ وهل الخَطْوة الأولى ستكون العودة إلى عُمْلتها الخاصة، اللِّيرة؟
يبدو أنَّ الشعب الإيطالي، والسياسيين في إيطاليا، أقْنَعوا أنْفُسهم بعدم جَدْوى الاتحاد الأوروبي، بعد أنْ تُرِكوا وحْدهم لمواجهة أسوأ لحظات الوباء دون أيّ مُسانَدة، كما كتبت كلاوديا ماركو في صحيفة (ناتسيونال) الرومانيّة يوم 15 أبريل الجاري.
وبرأيها، إنَّ الإيطاليين لَمْ يَعُدْ لديهم رغْبَةٌ في العولمةِ، ويريدون العودة إلى القوميّةِ. وأنَّ النزعة القوميّة والنِفور من العولمة، التي تَمّ تنفيذها من خلال مشروع الاتحاد الأوروبي، يبدو أنَّهما شَملتا إيطاليا بأكْمَلها.
واسْتِناداً على إفادات أشخاص يعيشون في إيطاليا، تمت إزالة أعلام الاتحاد الأوروبي في كثيرٍ من الأمْكِنةِ تقريباً، والقليل الذي بَقْيَ منها مَرْفوعاً أصبحت أيامه معدودات لإنْزالها، في سياق الحجر الصحي المُعَمّم في كل أنحاء البلاد.
الإيطاليون لديهم في بلدهم كل ما يحتاجونه للوقوف على أقدامهم، وعندما كانوا في أشَدِ الحاجة للمساعدة أجْبِروا على القيام بذلك لوحدهم دون مُساعدة. علاوة على ذلك، فإنّ الاتحاد الأوروبي، وبِغَدْرٍ حسب زعمهم، وضعهم في حالةٍ من الجمودِ، وعاملهم كحاملي بثور طاعون وأدار ظهره إليهم بِوحْشِيّة واشْمِئزاز، وتلك كلمات قاسية اسْتُعْمِلت كثيراً في التعليق على التطورات الأخيرة التي صاحبت تفشي فيروس كورونا في إيطاليا. وتَرَك كل ذلك غصّة في الحلقِ وعِبْرة، مع تزايد أعْداد الضحايا الذين شَيّعَتهم إيطاليا دون أنْ يودّعهم أحباؤهم وأهلهم.
إذَنْ، إيطاليا لا تسامح، ولَنْ تكون قادرة على الصَفْحِ طالما بدا لها أنّ دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 تَعَمّدَت عدم سِماعِ صرخةٍ يائسةٍ من شعبٍ ركع بسبب الوباء الذي ضربه بعنفٍ وسرعةٍ قاسيةٍ.
والآن قد مَرَّ الشَر الأعْظَم، أو في طريقه لِيَعْبُر، ويسْتعد الناس للعودة إلى الحياةِ الطبيعيةِ. بَيْدَ أنّها ستكون حالة طبيعية جديدة، تفتقد الأسرة الأوروبية الكبيرة التي أثْبَتت أواصرها للإيطاليين أنّها "مشروع إخفاق كبير"، بحسب ما يجري الحديث في كل إيطاليا جَهْراً وليس هَمْساً.
ويقول يوجين ترتلياك رئيس رابطة الرومانيين في إيطاليا التي يعيش ويعمل فيها نحو مليون و200 ألف روماني: "الإيطاليون غاضبون، فقد رأوا الآن أنْ المشروع الأوروبي لا يعمل حسب الاحْتِياج في أوقاتِ الأزْماتِ، ويتساءلون قائلين إنّ لديهم بلداً جميلاً وغنياً، ولديهم 70% من التراث الثقافي العالمي، ولديهم آلاف الأمْيال من الشواطئ والجبال وصناعة قويّة إلى حَدٍ ما وزراعة متطوِّرة، فلماذا يحتاجون إلى البقاء ضِمْن الاتحاد الأوروبي؟ لَمْ تساعدهم أوروبا مع أزْمَة المهاجرين وتَمّ التَخَلِّي عنهم، وحدث نفس الشيء عندما ضرب فيروس كورونا بلادهم، بَلْ جَرَت مقاطعتهم في العديدِ من المواقفِ". ويضيف يوجين: "تحتاج أوروبا إلى إعادة النظر في كَيْفِيّة التصرف في مواقفٍ مُعَيّنةٍ، فالتَيّار القومي وُلِدَ وانْتَشَر في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وهو في إيطاليا عميق ومُرْهق للغاية".

# هل تعود اللِّيرة الإيطاليّة؟
الخطوة الأولى التي يريد الإيطاليّون اتخاذها هي العودة إلى العُمْلَة الوطنيّة والتَخَلِّي عن اليورو. كانت اللِّيرة الإيطاليّة هي الوحدة النَقْديّة الرَسْميّة في البلاد بين 1861 و2002، وكانت اللِّيرة بين 1999 و2002 وحدة فرعيّة وطنيّة مع اليورو، وبنهاية تلك الفترة حَلَّت محلها العُمْلَة الأوربيّة الموحَّدة اليورو.
وحسب قراءة رئيس جمعية الرومانيين في إيطاليا للتطورات المستقبليّة، "هنالك احتمالات أنْ تغادر إيطاليا الاتحاد الأوروبي". ويرْدِف موضِّحاً: "يَجْري الآن نقاش بين رجال الدولة والسياسيين عُموماً حول طباعة العُمْلَة الإيطاليّة على الفور. لا أعرف هل سيكون خروجاً كاملاً مثل المملكة المتحدة، أمْ جزئياً. رُبّما ستختار إيطاليا فقط العودة إلى العُمْلَة الوطنيّة والخروج من منطقة اليورو". ويواصل ترتلياك: "في قمَّةٍ سابقة للاتحاد الأوروبي ظهر حديث لأول مَرّة من ضَفةِ الكبار، عن تطور أوروبا بسرعتين، والآن يَجْري الحديث في ضفةٍ أخرى عن أوروبا الغائبة. وعليه، يجب أنْ نَجْلس في طاولة النقاش لِنُعِيد النظر في البروتوكولات العاملة في الاتحاد الأوروبي ومراجعتها، لأنّها، من ناحيةٍ، تَفْرِض بعض الشروط عليك، ومن ناحية أخرى، نجد الدول صاحبة الدور والتأثير الأكْبر والأهم بَلْ والأكثر أهمية، أي الأقوياء في الاتحاد الأوربي، لا يحترمون شروطهم نفسها، كما هو الحال في العلاقاتِ مع روسيا". ويختم يوجين ترتلياك إفادته بقوله، إنّ الإشارات في هذا الاتجاه جاءت من رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، الذي أصْدَر تَحْذِيراً في وقت سابق من هذا الشهر لنظرائه الأوروبيين، جاء فيه أنّ الاتحاد الأوروبي كمشروع معرض لخطر الفشل في مواجهة التحدي الذي تفرضه أزمة فيروس كورونا، وبعبارة واضحة قال كونتي "إذا لّمْ نَنْتَهِزْ الفُرْصَة لإصْلاح المشروع الأوروبي، فإن خطر الفشل حقيقي".
رُبَّما يكون الحديث أعْلاه فيه من الغضبِ أكْثَر من العَزْمِ على اتخاذِ قراراتٍ مصيريّةٍ، وهي حَقّاً ستكون مصيريّة، على الأقل بقراءة تطورات خروج بريطانيا والمعضلات التي شَكَّلها وسيشَكِّلها لاحِقاً، ومُسْتَقْبَلاً (بريكسيت) على الأوربيين والبريطانيين بالأخص.
وعليه، قد تأخُذ إيطاليا العِبْرَة من تلك التَجْرُبَة مأخذاً جَاداً، ولا تخرج حَتّى من منطقة اليورو ولا تَخْطو خَطْوة نحو (ايتليكسيت)، وبالتالي لا يحْدُث ما يَنْتَظِره "مُنافِسو" الاتحاد الأوربي، بكلمةٍ مُخَفّفَة عِنْدَ النَظَرِ للولاياتِ المتحدةِ، و"أعداؤه" بوصفٍ صريحٍ وواضحٍ عِنْدَ وَضْعِ روسيا والصين تحت المِجْهَرِ.
وانْطِلاقاً من كل ذلك، ستَبْقى الأسْئلة الحاضِرة حائرة: هل تُجْرى مراجعات حقيقيّة في الاتحاد الأوربي لمرحلة ما بعد كورونا تنتهي بتعضيد البِناء، أمْ يَبْدأ بالفِعْلِ تَفَكُك التَكَتُل الأوربي الذي صُرِف عليه، ناهيك عن أموال دافِعي الضرائب، أكْثَر من نصفِ قرنٍ من الزمانِ حيث بدأ تأسِيسه في 18 أبريل 1951؟ وهل يَنْجَح زعماء دُوَله وتَنْجَح قيادته وعلى رأسها، أورسولا فون دير لين، في تَرْمِيم هَيْكَل التَكَتُل الذي ظهرت جَليّاً تَصَدُعاته؟
لحين أنْ تَكْشِف التطورات القادمة عن أجْوِبةٍ لتلك الأسْئلةِ، دعونا نَبْقى في إيطاليا مع صوتٍ جاء من داخلها وملأ الاسافير وسَيْطَر عليها ولا زال صداه، خاصة في اوربا، يأتي ولا يذهب أبَداً.

# أحَقّاً هي رسالة وداع من الإيطاليين؟
تداولت مؤخراً وسائط التواصل الاجتماعي، بالأخصِ فيسبوك وواتساب، رسالة غاضبة لقادة الاتحاد الأوروبي والرئيس الأمريكي، جاءت في فيديو بصوتِ فتاةِ إيطاليّةِ بِلُغَةِ بلدها ذات الجِرْس الموسيقي اللاتيني الذي تعشقه فيدخل قلبك قَبْل عَقْلك، قالت فيها:
"شكراً عزيزي ماكرون، عزيزتي السيِّدة ميركل!
شكرا على تخليكم عنّا في وقت الحاجة!
شكرا لرفضكم تزويدنا بكمامات طِبيّة بسيطة ومواد أخرى لمكافحة تفشي الفيروس. كنّا سندفع ثمنها كما تعرفون.
نحن الإيطاليون مُتّسِخون، مُبالِغون، مُتَسَيّبون، فلكلوريّون وفقراء وفي بعض الأحايين مافيويّون. لكنّنا أيضاً، نحن مَن بنى لكم الطُرق، المدارس، ومَن علموكم الأبْجَدِيّة التي تستخدمونها، ومَن شرح لكم القوانين والحقوق وتنظيم الدولة وإنْشاء دولة القانون.
نحن الإيطاليون مُؤلِفون الأعمال الفَنِيّة التي تملأ متاحفكم، والنصوص التي تدرسونها. نحن أولئك الذين يكابدون عناء الحِفاظ على أكثر من 70% من التراث الثقافي والفَنّي في العالم وإدارته، لنطلب منكم مبلغاً زهيداً قيمة تذاكر المتاحف، وأحياناً لا نطلب.
نحن، الإيطاليون، مَن قدم لكم الفن والثقافة التي تقوم عليها حضارتنا، وكذلك حضارتكم، التعبير الأقْصى عن الجمال، والتوازن والانْسِجام للإنسان الذي لَمْ يَتِم الوصول إليه قَطْ.
نحن، الإيطاليون، الذين منحناكم الحضارة فقمتم بعد ذلك بمَرْمَطَتِها، وأرجعتم العالم للعصور الوسطى، وبمجرد نهوضنا ووِلادَتنا من جديد، قَدّمْنا مَرّة أخرى للعالم الحضارة والفن والجُغْرافيا والاقْتِصاد والتعليم.
نحن، الإيطاليون، الذين ابْتَكروا البارميزان، موتزاريلا، بروسشيتو، مرتديلا، سلامي، رافيولي، تورتيليني، لازانيا، الآيس كريم والبيتزا إلخ، إلخ؛ نحن الذين أخذوا كروم العنب إلى فرنسا ونحن مَن علمكم تحضير النبيذ، وتقطير المشروبات الكحوليّة. نحن الذين يقاتلون كل عام ضد محاولات تقليد منتجاتنا ونسخ أسمائها والعلامات التجاريّة، والموضة أيضاً.
وأنتم يا سيد ترامب ويا سيد جونسون، شكراً أولاً وقبل كل شيء على عَزْلنا بدلاً من مُساعدتنا.
وأذَكِّرَكُم يا سيد ترامب، أنّه لولا أحد الإيطاليين لكنتم بلداً جائعاً، لا أنْ تَخْتال بغِناك في أمريكا، وكان لا يمكنك أكل بطاطس مسلوقة لولا إيطالي مُتَهور أبْحَر إلى المَجْهولِ.
أمّا أنت يا سيد جونسون، دعني أذَكِّرَك بأن ثروة أمَّتَك تأسَّست على راية منحناها لتُرْفَع على سُفنكم حتى لا يهاجمها القراصنة. إنّه صليب القديس جورج المَمْنُوح من جمهوريّة جنوا. بدون ذلك، لَكَنَسَكَكُم القراصنة. علمناكم الإبْحار وأتْقَنْتُم الإبْحار جيداً.
نحن نقول للجميع، عندما تستخدمون الهاتف تَذَكّروا ميوتشي! عندما تشاهدون التلفاز أو تستمعون للراديو، فَكِّروا في ماركوني! وعندما تستخدمون الكهرباء تأكّدوا بأنّ ذلك لَمْ يكنْ مُمْكِناً لولا فيرمي.
نحن الإيطاليّون اخترعنا البنوك والجامعات والتنقيب والتَقْويم وعلوم المعمار والهندسة والفيزياء الفلكيّة والموسيقى.
كان هناك إيطاليّون مثل جيوتو، ماركو بولو، ليوناردو، مايكل أنجلو، برنيني، تيزيانو، رافائيل، جاليليو، سيزار، أوكتافيان، فيسباسيان، أوريليو، دانتي، ويمكنني الاستمرار هكذا لساعات.
أعزائي، عندما تسمعون اسم إيطاليا عليكم أن تقفوا على أرْجُلَكُم مُطأطِئي الرؤوس وأنْ تَعوا أنّ أصْل المجتمع الغربي موجود هنا. إذا طلبنا المُساعدة، يجب أنْ تَرْكُضوا، لأنّكم إذا بقيتم تغْرِقون العالم في العصور الوسطى، فلا أدري إنْ كنا سننهض بالحضارة مَرّة أخرى.
ومع ذلك، رُبّما لا يهمكم هذا الأمر، إذَنْ انغمسوا في ما لديكم، أبقوا معجبين بأطنانِ الحديدِ المُلولبِ، وعندما تزورن المتاحف، يُرْجى تخطي أعمال الإيطاليين، وإنهاء زيارتكم سريعاً جداً، ليمكنكم الذهاب على الفور لزيارة مصنع سيارات جميل، رُبّما ديزل، من بين تلك التي لا تحدث تلَوّثاً فقط عِنْد فَحْصها وهي خارجة من المصانعِ.
أذهبوا لزيارة ما تعتبرونها قِلاعاً، ولكنها بالنسبة لنا بعض فيلات تافهة، بلادنا مليئة بمثلها. أو حَتّى اذهبوا إلى عاصمة القُمار، تلك التي تحاكي البندقية وفلورنسا وروما. اذهبوا، وتجنبوا القدوم لزيارةِ أجْمَل بلد في العالم، بعد أنْ طعنتموها من الخلفِ.
سنرحب، وبأذْرُعٍ مَفْتوحَةٍ، بمَن ساعدونا في أوقات الحاجة. سنفتح لهم مُدننا الفريدة من نوعِها في العالمِ. سيكون بمقدورهم زيارة البندقية، روما، فلورنسا، جنوا، نابولي، بولونيا، بيزا، لوكا، سيينا، تورينو، باليرمو، أغريجنتو، ميلانو، كريمونا، مانتوفا، فيرارا، توسكانا، مونت فيراتو، دولوميتي، لابوليا، صقلية وسردينيا.
لقد دَمَّرْتُم اليونان المسكينة بسبب أموالكم. حاولتم مع إيطاليا، لكنكم حَتّى الآن لَمْ تنجحوا. رُبَّما فاتَتْكُم فُرْصَة تَوجِيه الضَرْبَة القاضِية، لأنّكُم في انْتِظاركم الأناني، لَمْ تَحْسِبوا أنّ الفيروس ليس له حدوداً، وسيضرب الجميع، حتى أنْتُم.
لو كُنْتُم ساعدتمونا البارِحَة في محاولة وضع حد للوباء، بدلاً من الإساءة إلينا وتشويه سُمْعَتنا، لما كان علينا اليوم أنْ نبْكي الموتى.
لقد أعْطَتْكُم أنانِيَّتكم قِياساً بِصغْرِ حَجْمكُم.
شُكْراً!
فتاة إيطاليّة ...‪".

# كيف تعاملت مع الأزْمَة دول تحت قيادة نِساء؟
الأزْمَة العالميّة التي سَبّبها فيروس كورونا المُسْتَجِد دفعت المحللين السياسيين للتوصل إلى نتيجةٍ مُثِيرةٍ للاهْتِمامِ: اسْتِجابَة الدول التي تديرها نِساء أفْضَل بكثيرٍ من تلك التي يقودها رجال. فما هو الشيء المُشْتَرك بين الدول التي رَدَّت بشكل أفْضَل على جائحة كوفيد ـ 19 غير أنّ هناك نِساءً يمْسِكْن بمقودِ دَفّة السُلطة التنفيذيّة فيها؟
من أيسلندا إلى تايوان، أو من ألمانيا إلى نيوزيلندا، كان لدى الدول التي على رأس قياداتها نِساء اسْتِجابَة أفْضَل بكثير للتعامل مع الوباء من باقي كل دول العالم، غَضّ النظر عن القوى الكُبْرى مثل ألمانيا، أو الجُزُر الصغيرة مثل أيسلندا.
التدابير التي اتخذتها دول على قيادتها نِساء، كانت أفْضَل بكثير وأكثر فاعلية من تلك التي تعاملت بها غيرها من الدول، كما كتبت مجلة (فوربس) الأمريكيّة.
*ألمانيا:
كانت المُسْتَشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل من أوائل قادة العالم الذين تعاملوا بجِديّةِ مع وباء الفيروس المُسْتَجِد وأخبرت المواطنين بهدوء أنّه مشكلة خطيرة سيُصيب 70% تقريباً من السكان، وقالت لمواطنيها بصَريحِ العِبارَةِ "إنّه أمْرٌ خطيرُ، عامِلوه كشيء خطيرٍ"، وكان رَدّ فِعْلها مُفَصّلاً. بدأت الفحوصات فوراً، مع بداية تفشي الفيروس. تَخَطّت ألمانيا مراحل الإنْكار، الغضب والحساسيّة، وذهبت مباشرة إلى الحقائق، وهذا هو السبب في أنّ عدد المصابين في البلاد كان أقلَّ كثيراً من جيرانها الأوروبيين، وهناك دلائل على أنّ الأمور في ألمانيا ستعود إلى طبيعتها قريباً.
* تايوان:
رئيسة تايوان، تساي إينج ـ وين، كانت من أوائل القادة الذين اتخذوا إجراءات مُنْذ يناير الماضي. ومع أول علامات المرض، أصدرت 124 من التدابير والإجراءات لمنع انْتِشاره، دون اللجوء إلى القيود التي أصبحت شائعة في أماكن أخرى. لم تحتاج لذلك.
والآن، بعد ثلاثة أشهر، تَرْسِل تايوان 10 ملايين قِناع وقائي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
*نيوزيلندا:
جاسيندا أرديرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا، بدأت في رفع مستوى التنبيه إلى أقْصى درجة مُنْذ بداية إعلان تفشي الوباء. فَرضت العُزْلَة الذاتيّة على الأشخاص الذين دخلوا نيوزيلندا عندما تم تسجيل 6 حالات فقط في كل أنحاء الدولة، ومَنعت الأجانب من دخول البلاد.
بسبب هذه التدابير الصارمة للغاية التي جرى اتخاذها منذ البداية، لنيوزيلندا حَتّى الآن أربع وفيات فقط جرّاء الإصابة بالفيروس. ومع ذلك، في ظل "تفشي الحديث" عن رفع القيود في دول أخرى لديها أعداد إصابات ووفيّات أكبر بكثير من نيوزيلندا، فان جاسيندا أرديرن تعمل فقط على تشديدها. وهكذا، كل من يعود إلى البلاد يدخل الحجر الصحي لمدة 14 يوماً في مواقعِ مُرَتَّبة لذلك خصيصاً.
* أيسلندا:
تقَدِّم أيسلندا، بقيادة رئيسة الوزراء كاترين جاكوبسدوتير، فحصاً مجانياً لفيروس كورونا المُسْتَجِد لجميع مواطنيها وستصبح بلادها عَيْنَة لـ "دراسة حالة" عن المُعَدّل الحقيقي للانتشار والوفاة نتيجة للفيروس، ففي حين أن مُعْظَم البلدان لديها اختبارات محدودة وفقط للأشخاص الذين يعانون من أعراض نَشِطَة، تَخْتَبِر أيسلندا جميع سكانها والمقيمين فيها. وبالتالي، بالنسبة إلى عدد السكان، اختبرت أيسلندا خمسة أضعاف نفس عدد الأشخاص مِمّا فعلت كوريا الجنوبية.
*فنلندا:
أدركت سانا مارين، أصْغَر رئيسة وزراء في العالم (34 سنة)، أنّه في الألفيّة الثالثة تحتاج إلى استخدام الإعلام الاجتماعي في ما يفيد بدلاً من أنْ تتقاتل مع وسائل التواصل الاجتماعي.
واستناداً إلى حقيقة أنّ الصحافة لا يقرأها الجميع ولا يثق الكثيرون في وسائل الإعلام، ناشدت رئيسة الوزراء سانا مارين المؤثرين على الشبكات الاجتماعيّة لنقل المعلومات الأساسيّة لإدارة وتَسْيير أزْمَة الوباء. وتُعْتَبر اسْتِجابَة فنلندا واحدة من الأفْضَل في أوروبا.
* النرويج:
كانت لدى رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرج فكرة مُبْتَكرة لاستخدام التلفزيون للتحدث مباشرة مع أطفال بلادها. عقدت مؤتمراً صحفياً لَمْ يحضره الكبار، رَدّت فيه رئيسة الوزراء على أسئلة الأطفال وشرحت لهم لماذا ليس هنالك حَرَجاً من الخوف في هذا الوضع.
سُبل التعاطف والرعاية التي تواصلت بها أولئك المسؤولات من النساء أثناء الوباء، متميّزة تماماً مع الطريقة التي تواصل بها قادة العالم الآخرون الذين فَضّلوا نَشْر الذُعْر أو التهوين مِمّا حدث ويحدث.
خَلُصَت مجلة (فوربس) بان قادة مثل دونالد ترامب الولايات المتحدة الأمريكية، جاير بولسونارو البرازيل، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور المكسيك، ناريندرا مودي الهند، رودريغو دوتيرتي الفلبين، فيكتور أوربان المجر، فلاديمير بوتين روسيا أو بنيامين نتنياهو إسرائيل، فَضّلوا إلقاء اللوم على "الآخرين"، وشَيْطَنَة الصحفيين أو استخدام هذه الأزْمَة لضرب منافسيهم المحليين أو الدوليين. وهو بالفعل أمْرٌ مُثِيْرٌ للشفقة، ويؤكد أنّ العالم يعيش أزْمَة زعامة، وهذا موضوع يستحق أنْ نَفْرِد له تحليلاً وقراءة مُنْفَصِلَة.
بوخارست 17 ابريل 2020
////////////////////