توطئة:

ينطلق هذا المقال من حقيقة أن التمثّلات الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً ومهّد الطريق نحو تجانس المواقف والمفاهيم والأفكار كما تلعب دورا كبيرا في التماسك الاجتماعي والسياسي. مما يمكن اعتبارها اداة سياسية هامة في كثير من الأحيان. انطلاقاً من هذه الحقيقة يمكن القول أن تمثّلات الأيديولوجيا والأساطير و الماورائيات في دولة سنار باعتبارها ضمن ‏الموروثات ‏الثقافية للمجتمع من فلكلور وحكايات شعبية ومعتقدات قد لعبت جميعها دوراً كبيراً في إكساب ‏الدولة للشرعية والقبول، مما مهد بذلك الطريق لاستقرار وازدهار السلطنة .
و تمهيداً لمناقشة موضوع المقال لابد لنا في البداية من تقديم تعريف إجرائي وشرح مختصر لما يعنيه مصطلح التمثّل. التمثّل ((Representation في اللغة يعني تصوّر الشيء، أو تخيّله، واستحضاره في الذهن . وهو عبارة عن عملية ذهنية أو فكرية، تُشير للكيفية التي يستخدم بها الشخص معارفه، أو فهمه لشيء ما. وبهذا المعنى فهو يُعتبَر موقف أو شكل من أشكال الاستجابات، تتضمن تأويلات وتفسيرات وإحالات. وهو أيضاً عبارة عن عملية تبادلية بين الذات والموضوع، أي يتعلق باللغة والتواصل، ويكون فردياً أو جماعياً . والتمثّل مفهوم صارت تتقاسمه مؤخراً عدة حقول إنسانية مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاجتماع. ومن جانب علم الاجتماع كان اميل دوركايم أول من استخدم مفهوم التمثّلات الاجتماعية أو الجمعية. وفي هذا الخصوص فإن دوركايم يعتبر الدين، والمعتقدات، والأسطورة ضمن التمثلات الاجتماعية أو الجمعية.

دولة سنار:
تأسست سلطنة سنار ‏في بداية القرن السادس عشر، أي ‏مع بداية العصر الحديث وفق التحقيب التاريخي المعروف. وقد امتدت فترة الحكم فيها لمدة تجاوزت الثلاثة قرون (1504-1821).‏ و قد استطاعت سلطنة سنار تكوين دولة ‏مستقرة اتسعت رقعتها ‏ لتشمل معظم مناطق السودان تقريباً، عدا دارفور، والأجزاء الجنوبية. ‏وتعتبر سلطنة سنار على المستوى المحلي أول دولة سودانية تأسست في بداية العصر الحيث. وقد تزامن قيام سلطنة سنار مع وقوع أحداث عالمية وإقليمية هامة، حيث كان لهذه ‏الأحداث وتطوراتها اللاحقة تأثير عميقة على كافة الصُّعُد، على المستوى المحلي والدولي. من بين أهم تلك الأحداث: سقوط الأندلس(1491)، واكتشاف العالم الجديد (‎1492-1502)، وسقوط دولة المماليك في مصر(1517)، وسيطرة العثمانيون على مصر(1517). وقد لا نجانب الصواب إن قلنا كان لهذه الأحداث توابعها و تأثيراتها الكبيرة على سلطنة سنار بشكلٍ أو بآخر.
تشير المصادر والأدبيات المتعددة إلى أن سلطنة سنار (1504-1821) ‏استطاعت تأسيس ‏دولة مستقرة ومزدهرة بمعايير ‏ذلك الزمان كما نجحت في فرض سيادتها على كامل حدودها ، رغم وجودها في محيط مفعم بالغزوات والحروب التي نتج عنها العديد من التغيرات العميقة. بعبارات أخرى فقد أفلحت سلطنة سنار من خلال سيرورتها التاريخية و ديناميات الفعل و الأحداث ‏أن تقدِّم نفسها للداخل و الخارج كنظام مستقر، ودولة مؤهلة للحصول على القبول والشرعية.
تبنّت دولة سنار منذ بداية نشأتها الدين الإسلامي كعقيدة رسمية للسلطنة، حيث أن ذلك يفترض وجود رؤية وسلوكيات محددة. من ناحية أخرى تشير المصادر المختلفة تقدّمها إلى دولة سنار إلى أنها دولة مستقرة إلى حد كبير، وتسير الحياة فيها في أغلب الأوقات وفي معظم المناطق الخاضعة بشكل متناغم، ووفق ايقاع موزون ومُسَيطرٌ عليه، رغم تعدد المكونات ورغم اختلاف الخلفيات والمشارب والتراتبيات الاجتماعية. ويشير ذلك أو يشي لوجود حكّام ذوي مهارات وقدرات إدارية كبيرة‏، ووجود وقوة عسكرية مقتدرة، ومؤسسات حكم قوية، اتسمت بلا شك بقدر كبير من الحكمة، و الرؤية الثاقبة، وكذلك بالتنسيق، والتوافق.
و في ذات الاتجاه ‏يرى البعض أن ايديولوجيا الحكم في دولة سنار والأساطي، و الماورائيات، والرموز لعبت دوراً كبيراً، ‏في تقديم حكم ‏السلطنة لنفسه كخيار مثالي أو على الأقل كخيار مقبول مما مهد الطريق للحصول ‏على التأييد و‏القبول، وأسهمت بالتالي في توطيد اركان الحكم. ‏بالطبع قد يكون كل ذلك أو بعضه صحيحاً بشكل من ‏الأشكال، وإن كانت لمحاولة الاقتراب من الحقيقة تجعلنا نغوص أكثر للداخل.‏

خلفية عن المجتمع في دولة سنار:
سنحاول فيما يلي تقديم ملمح عام عن المجتمع في دولة سنار لفهم الأوضاع والظروف و الديناميات التي كانت تؤثّر على الاوضاع السائدة وفي مُجريات الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية.
من الناحية السياسية كانت مكونات مجتمع السلطنة تخضع لسلطة الدولة، وقراراتها، ومؤسساتها، وأذرعها الإدارية، والتنفيذية. وقد يبدو ذلك طبيعياً في ظل أوضاع يقيم فيها نظام الحكم سلطة مركزية قابضة، تتطلب الامتثال من قِبَل كافة أفراد الشعب، كما تتطلب السيطرة على كل كافة مفاصل الدولة. وقد يكون ذلك مُتيسَّراً لوجود رعايا اعتادوا لمئات السنين على مثل هذا النمط من الحكم، وعلى الامتثال والخضوع لأنظمة الحكم الحالية وخلال فترات الحكم في الممالك و السلطنات السابقة.
بالرغم من طول الفترة الزمنية لسلطنة سنار، والتي تعدت الثلاثمائة عام. وبرغم اختلاف الظروف ‏السياسية والاقتصادية المحلية والدولية طوال تلك الفترة باختلاف وتعاقب الحكام وتغيّر أنماط الحكم فيها، و تباين الخلفيات الإثنية و الثقافية، إلا أنه يمكن القول أن المجتمع السوداني في تلك الفترة قد كان يمتع بنوع من الاستقرار العام، الذي قد كان يقطع وتيرة استمراره ظهور بعض النزاعات المحدودة والتي لم تكن تؤثر على السلام الاجتماعي واستقرار المجتمع إلا قليلا . وكذلك خلال فترات النزاعات على المستوى الأكبر، كما في حالات التمرد والانفلات التي تحدث أحياناً في مناطق السلطنة بإرسال التجريدات العسكرية السلطانية لإخمادها. ‏
أما من الناحية الاجتماعية يمكن القول نسبة لوجود سكان ذوي خلفيات إثنية وثقافية متعددة تختلف في أوضاعها في سلم التراتبيات الاجتماعية، فيمكن القول أن المجتمع كانت تسوده بشكل عام أنماط القيم، والسلوكيات المحافظة والحياة ذات الطابع البسيط المسالم، والطموحات المحدودة، خاصة على مستوى عامة الشعب. كما أنه من خلال سرد الأخبار والمحكيات الواردة في بعض المصادر عن تلك الفترة تدل على نحو بالاحتفال بالأساطير والحكايات التي يمكن ادراجها ضمن الماورائيات و ذلك لفهم دقائق الحياة و تفسير مجريات الأحداث و التي كانت تجد الاهتمام في الثقافة المجتمعية في ذلك الوقت . وقد كان لتبني الدولة لمفاهيم الدين الإسلامي انعكاسات متعددة على الحياة الاجتماعية والثقافية وإن كان لذلك التبني الرسمي تأثيرا سطحياً على المستوى الشعبي. وقد يرجع ذلك لعدة أسباب قد يكون من بينها وجود معتقدات وثقافات محلية وأن البعض كان حديث عهد بتلك المفاهيم.
مهما يكن من أمر فإن اهتمام حكام السلطنة بتأكيد تبنيهم للمبادئ والقيم الإسلامية كان قد ظهر جليًّ من خلال استخدام اللغة العربية في دواوين الدولة وفي اجتلاب علماء الدين من الدول العربية مثل مصر والحجاز . فقد شهدت عهود السلطنة المختلفة وفود العديد من رجال الدين، حيث وجدوا التكريم والتشجيع من الدولة. وبالتالي أدى تشجيع الدولة وتقريبهم لرجال الدين أن أصبح هؤلاء يحظون بمكانة مميزة. وبمرور الوقت أصبحت مكانة الأولياء ورجال الدين أكثر تميّزاً، وأكثر قربا من البلاط، بل وزادت وعظمت مشاركاتهم في كثير من القرارات الهامة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والقضائي خاصة في فترة حكم الهمج في القرن السابع عشر . بالتالي، لم يكن غريباً أن تكون لرجال الدين هذا الصيت، والحظوة الكبيرة والمكانة التي اتسمت بالتقدير والتمجيد ‏‏والتعظيم. وقد انعكس هذا الوضع المميز للأولياء ورجال الدين على كافة قطاعات المجتمع، و وصل الأمر في كثير من الاحايين إلى حد القداسة والاعتقاد في كراماتهم وقدراتهم الخارقة ‏للعادة .من خلال توسع التجارة الخارجية أصبح لأولياء ورجال سادة يحسب لهم الحساب فكما كان للأولياء ورجال الدين أدوار كبيرة في فض الخلافات وإجراء المصالحات، صار لبعضهم أدوار رئيسية في حماية القوافل التجارية كما في حالة مجاذيب الدامر . بل وصل الأمر إلى أن صار لرجال الدين أدوار ومشاركات سياسية بارزة، خاصة في فترة الهمج .
فيما يخص الوضع الاقتصادي لسلطنة سنار فهو شبيه مع بعض التحفظ بنمط الانتاج الآسيوي . و ذلك لسيادة نمط الانتاج في معظمه استكفائي، وكان المزارعون والرعاة و الطبقات الدنيا عموماً تعيش عيشة الكفاف في مقابل استحواذ الحكام والطبقة العليا من رجال البلاط والنبلاء على فائض القيمة من عائدات الزراعة و الرعي. وهو بذلك شبيه بالوضع الاقتصادي الذي كان سائداً في أوربا خلال عهد الاقطاع في القرن السادس عشر وما قبل ذلك. في المقابل فقد تميّز الاقتصاد بوجود تجارة محلية وتجارة خارجية مزدهرة تقوم على تبادل السلع والمنتجات المحلية مع السلع المجلوبة من كثير من مناطق العالم مثل مصر والهند وغيرهما من الدول الأخرى.
من ناحية أخرى عّرِف الحكم في سلطنة سنار بالتوسع في تجارة الرقيق بصورة كبيرة، وذلك من خلال تشجيع حكام السلطنة لها وممارستهم إيها، مما أدى بها إلى أن تلعب دوراً حيوياً ليس فقط في الاقتصاد والتجارة الخارجية للسلطنة، بل أنتشر تأثيرها ليشمل كامل مفاصل الحياة في السلطنة . و بعبارة أكثر تحديداً، فقد كان للرقيق دور مقدّر في الاقتصاد الكلي للسلطنة كسلعة للتبادل. كما كان لهم دور مقدر كذلك في الاقتصاد العائلي كعمال زراعيين في بادئ الأمر، ثم توسعت ادوارهم في القرن التاسع عشر ليعملوا كعمالة منزلية . من ناحية أخرى تمت الاستعانة بالرقيق في السلطنة للعمل كجنود، حيث أصبحوا هم عماد الجيش خلال فترات السلطنة المختلفة حيث كان تأثير ذلك إلى زيادة التوسع في تجارة الرقيق.
كل هذه الملامح التي تمت الإشارة إليها اعلاه تمثل انعكاساً و نتاجاً للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومآلاتها. بعبارة أخرى يمكن النظر إليها باعتبارها تحمل في طيّاتها سيطرة الطبقة وإعادة إنتاج نمط وعلاقات الانتاج. أو بعبارة أخرى تحمل ملامح النظام الاقتصادي السائد وأسلوب الحكم، وذلك باعتبار أن البنى التحتية تمثل انعكاساً لخصائص وأنماط علاقات الانتاج السائدة. وفي المقابل كان لابد من وجود بنى فوقية تكون معبّرة عن تلك العلاقات ومبررة ومحايثة لها . وتشمل الايديولوجيا كما تشمل ضمن ما تشمل بجانب المفاهيم و القوانين، كل من الاساطير الحكايات والمعتقدات والتي تُوظّفها الدولة من خلال تقديم المسوغات لقبول واستمرار الأوضاع السائدة . وتلعب التمثّلات الاجتماعية التي يقوم بها للأفراد والجماعات، دوراً حاسماً لقبول واستمرار هذه الأوضاع وكذلك قبولهم لأوضاعهم في سلّم التراتبيات الاجتماعية. وهي الأوضاع والتراتبيات التي يرتبط بها ويعبِّر عنها نمط وعلاقات الانتاج السائدة وأسس توزيع العائدات.
و بالتالي قد يفسّر لنا ذلك كيف استطاعت سلطنة سنار صياغة بنى فوقية بما تضمنه من مفاهيم وتفسيرات وإحالات وإيحاءات ورموز كمسوِّغ لتثبيت أسس الحكم والتراتبيات القائمة على علاقات الانتاج في السلطنة. حيث ترتب على ذلك اكتساب الحكام للشرعية اللازمة للاستمرار في سيطرة الطبقة و إعادة إنتاج نمط وعلاقات الانتاج باعتباره الوضع المثالي والطبيعي والشرعي. وسأقوم في الجزء الثاني من المقال بمناقشة تفصيلية لتأثير تمثّلات خطاب الدولة (الايديولوجيا) والأساطير وغيرها من موروثات ثقافية في سلطنة سنار.

د. محمد عبدالله الحسين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.