يقول ريني ديكارت " أن العقل اعدل الأشياء قسمة بين الناس"
هذه المقولة الفلسفية التي عنى بها ديكارت أن العقل هو الآداة التي يستطيع بها الإنسان التمييز بين الحق و الباطل، هي أداة فطرية، و قد وهبها الله لكل الناس السويين، لكن؛ لكي يمارس العقل دوره علي التمييز، لابد أن يكون له منهجا يستطيع من خلاله دراسة الظواهر التي حوله. لكن هناك قطاع من الناس تخلوا طوعا عن استخدام عقولهم، و أصبحوا أداة توظف من قبل أحزاب أو تنظيمات أو مجموعات لأجندة خاصة، و بالتالي هؤلاء لا يصنعون تغييرا، و لا تنمية، و لا تاريخا، و لا يستطيعون الخروج من دائرة هذا التوظيف، لأنهم عطلوا الأداة التي تساعدهم علي التمييز. و استغلت بعض النخب التي تشتغل بالكتابة هذا التعطيل، و اعتقدت أن ما يكتبونه يمثل الحقيقة التي يجب أن تتبع، و هؤلاء أضافوا تغبيشا للوعي علي ما هو عليه.
أن واحدة من أهم القناعات الخاطئة وسط النخب السياسية و حتى المثقفين، الاعتقاد أن الديمقراطية هي مجموعة من الشعارات، و التي تستخدم كمظلات تمارس من تحت ظلالها كل الثقافة الشمولية التي خلفتها الإنقاذ، و لا يقبلون الرآي الآخر، و يحاولون صناعة فزاعات لمنعه من خلال إطلاق الاتهامات، و هناك الذين يقبلون الرآى الأخر و لكن علي مضض، لأنهم لا يملكون الثقافة الديمقراطية و عاجزين عن إنتاجها، هذا الجو السياسي لابد أن يؤثر سلبا علي تحقيق مقاصد الثورة. و يخلق أضطرابا في الإدراك عند بعض الخاصة و عند العامة. و يصبح التمييز من الصعوبة.
إن العجز عن حل الأزمات تجعل الأحداث متلاحقة، و أن النخب السياسية في السلطة الانتقالية في الثلاث مجموعات " قحت – مجلس الوزراء – مجلس السيادة" لا تملك مشروعا سياسيا واضحا متفق علي تنفيذه، هناك فقط شعارات الثورة. إلي جانب التحقيق في قضية فض الاعتصام الذي يعتبر ضربة خنجر في خاصرة الثورة، و كان المتوقع أن قحت لن تشارك في سلطة أو أي عمل قبل أن تعرف الجهة التي نفذت عملية الفض و الإغتيالات، و كانت قد أخذت هذا الموقف، و فجأة تراجعت عنه، و قبلت المساومة، و هرولت نحو السلطة، و كفية توزيعها، و الآن هي تحصد نتائج هذه المساومة. أن الاجتماع الذي عقدته كل من " قحت – مجلس الوزراء – مجلس السيادة" الآخير و خرج بمشروع المصفوفة يعتبر تحول خطير في هذه المرحلة، ليس لأنه سوف يكون مخطط للإنجاز، و لكن لأنه سوف يكون مفترقا للطرق. لذلك سوف اتناول خمس قضايا هي التي تؤثر في دائرة الفعل و تشكل حجر الزاوية.
أن أي حديث لا يتناول حقائق الأشياء بصورة مجردة، و يدرس الظواهر دراسة جيدة، و يقدم افتراضات تتناول الظواهر من جميع جوانبها سوف تؤدي إلي نتائج خاطئة. و اقدم رؤية للتاريخ و أحسب أنها أقرب للحقيقة النسبية، و تقبل الجدل، و ليس أيضا بعيدة عن الخطأ.
1- القضية الأولي؛ و التي يجب التأكيد عليها و معلومة لدى كل الناس، أن الشارع بكل فئات الحية هو الذي فجر الثورة و استمر في الثورة شهور، و بعد ما نضجت الثورة، صاغ تجمع المهنيين " إعلان الحرية و التغيير" و قدمه للقوى السياسية. وقعت عليه العديد من الأحزاب، و أصبحت هي التي تمثل رؤية الثورة في السياق الجديد" قوى سياسية و مجلس عسكري". و هناك أحزاب رفضت التوقيع علي الإعلان، و ظلت بعيدة عن حوار السلطة الانتقالية، لكن مشكلة قوى الحرية و التغيير أهملت أن تصنع مشروعا سياسيا لتنفيذ شعارات الثورة، يكون مكتوبا و تحاسب عليه من قبل الجماهير، و بدأت تتعامل مع الأحداث رزق اليوم باليوم، البعض من قيادات قحت كانت عيونهم علي السلطة، و هؤلاء هم الذين كانوا يضغطون من أجل الوصول للمساومة السياسية. و المسرح السياسي بعد سقوط النظام كان فيه لاعبين سياسين، و كان هناك أيضا كمبارس، و المشكلة أن يتحول الكمبارس إلي لاعبين أساسيين الأمر الذي يغرق البلد في العديد من الآزمات. لأن الكمبارس دائما أدوارهم هامشية و رغباتهم ذاتية.
2- بعد نجاح الثورة كانت قيادات القوى الحرية و التغيير تقول " و كل تصريحاتهم مسجلة" أن الذين إرتكبوا جرائم و شاركوا في انتهاكات حقوق الإنسان و الذين افسدوا يجب تقديمهم للمحاكمة، و أيضا الذين استغلوا وظائفهم و علاقاتهم من أجل منافع ذاتية لنهب ثروات البلاد، و أيضا يجب النظر في قضية الذين تم تعينهم في وظائف لا يملكون لها مؤهلات و آهل الولاء، هذه وجدت قبول من جميع آهل السودان إلا قلة من عضوية المؤتمر الوطني. و قالوا أيضا أن الذين لم يشاركوا في النظام و الذين خرجوا من النظام قبل سقوطه، هؤلاء سوف يشاركون في المجلس التشريعي لكنهم جميعا يمارسون عملهم السياسي بشكل طبيعي، هذا أيضا وجد قبول من 75% من الشعب. و قالوا أن عضوية المؤتمر الوطني الذين يثبت أنهم لم يرتكبوا مخالفات قانونية ينتظروا الانتخابات و ليس لهم أي موقع في الفترة الانتقالية. و هذا أيضا وجد قبولا من الشارع، و في نفس الوقت لم يصدر من عضوية المؤتمر الوطني ردة فعل. بعد ذلك حصل الخلاف بين قحت و المجلس العسكري، و ذهب المجلس العسكري يبحث عن قاعدة أجتماعية، في هذه الحظة بدأت تتحرك قاعدة المؤتمر الوطني مع أعضاء المجلس العسكري، و استمر العمل بين الجانبين، و كانت القيادات العسكرية و خاصة البرهان و حميدتى كانوا يؤكدون أن جميع الشعب بكل مكوناته يجب أن تشارك في العمل السياسي. لكن بعد الوصول لاتفاق بين قحت و المجلس العسكري، كان علي قحت أن تفهم الدرس السياسي لكي يكون بينها و بين القوى الآخرى غير الموقعة علي الإعلان، و دون مشاركة عضوية المؤتمر الوطني، تواصل و حوار سياسي لكي تجعلها مساندة لها، لكن الحصل جعلتهم جميعا في بوتقة واحدة مع المؤتمر الوطني، و أرادت بعض الأحزاب في قحت الاستفادة من السلوك الجمعي في الشارع، لكي تمارس عزلا سياسيا علي هؤلاء، و التعامل معهم جميعا بصفة واحدة. لذلك خرجت شعارت الإقصاء و العزل و الاستهداف. و هي خرجت من قوى سياسية معروفة تماما لأي سياسي متابع، الأمر الذي كان لابد أن يواجه بردة فعل، بدأ هؤلاء الإسلاميين في الحركة و استنفار عضويتهم. و استعراض القوة، و أنهم قادرين علي أحداث أختراق في الساحة السياسية، و ذهابهم إلي القيادة لهدف منها، أن يجعلوا القوى العسكرية في حياد التزام بالوثيقة الدستورية و أبتعادها من العمل السياسي، لكي تظل المعركة السياسية بين قحت و الإسلاميين. الأمر الذي لا تريده قحت. لذلك صدر قانون حل حزب المؤتمر الوطني، لكن القانون يمنع نشاط الحزب لكنه لا يمنع نشاط الأفراد، لذلك بدأ هؤلاء الخروج تحت مسميات أخرى الزحف الأخضر و حشود و أي راية توحدهم، بهدف إحداث إرباك في الساحة السياسية و إثبات وجودهم ، و هي لن تتوقف بل سيستمرون.
3- أن حل المؤتمر الوطني، لابد أن يحث ردة فعل من هذه القوى و القوى الإسلامية الأخرى، و في نفس الوقت خلق تحديات جسيمة للسلطة الانتقالية، و الوثيقة الدستورية تعطيهم الحق في التظاهرات و التجمعات و ممارسة النقد و المعارضة بالطرق السلمية. هل كانت قحت تعتقد أن هؤلاء سوف يحجبوا أنفسهم و يتركوا العمل السياسي، كما أن طول الإنقاذ في السلطة خلقت جيشا جرارا ارتبطت مصالحه بالنظام، و هؤلاء لن يستكينوا و لن يصمتوا، و هذا التحرك سوف يزداد إذا لم تستطيع السلطة الانتقالية حل الضائقة المعيشية. و إذا استخدمت السلطة العنف مع هؤلاء تكون قد تسببت في ظهور العنف المضاد. و المسألة تريد حكمة إذا كان الجميع يسعى إلي دولة ديمقراطية تنعم بالسلام و الاستقرار الاجتماعي. و إلا عدم الاستقرار و المسيرات المستمرة سوف تؤثر علي التنمية و الاستثمر في البلاد. نعلم أن الجرح عميق جدا و له أثر علي بقية أعضاء الجسد لكن الحكمة أفضل و هذه تحتاج للخروج من جلباب الحزبية و النظرة للوطن.
4- نأتي ألي قضية المصفوفة: التي كانت نتيجة للاجتماع الثلاثي " قحت – مجلس الوزراء – المجلس السيادي" أن المصفوفة هي بمثابة مشروع للخروج من الآزمات التي تواجه الفترة الانتقالية، و قد حددت المصفوف في 7 قضايا هي " التناغم بين المكونات للسلطة الثلاث – السلام – الآزمة الاقتصادية – العدالة – تفكيك دولة التمكين – إصلاح الأجهزة الأمنية و العسكرية – العلاقات الخارجية" و يقول عنها خالد عمر الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني لجريدة " الجريدة" يقول عن المصفوفة " قد طرح الأطراف القضايا بوضوح و شفافية محل الخلاف، و أن الجميع غير راضين علي الأداء العام و مستوى تحقيق أهداف الفترة الانتقالية. و قال قد تم تحديد المطلوب في كل قضية مع تحديد سقف وقتي لانجازها" و يقول في ذات الموضوع و الجريدة كمال كرار القيادي بالحزب الشيوعي " جاءت المصفوفة لكي تستكمل مهام الفترة الانتقالية مثل تعين الولاة و المجلس التشريعي " و لكن الاثنان لم يتحدثا عنها بالتفصيل. و معروف أن أي مخطط أو مشروع أو فكرة إذا لم تحدد ما هي أدوات التنفيذ و ما هي الفترة الزمنية المطلوبة لتنفيذ كل واحدة من هذه القضايا، يكون الموضوع " طك الحنك" كان من المتوقع من كل وزير أو مؤسسة يتعلق بها الأمر في هذه القضايا أن تقدم ورقة للاجتماع مثلا العلاقات الخارجية " التحديات التي تواجه وزارة الخارجية، الدول الخارجية المستهدفة لكي تساعد في حل هذه القضايا، هل أدوات الوزارة تملك تلك المقومات. الفترة الزمنية التي سوف ينفذ فيها المشروع. لكن أن يدخل الناس الاجتماع فقط لحوار تدور فيه فناجين القهوة و الشاي، هذه تعتبر مضيعة للوقت. تقول الجبهة الثورية عن المصفوفة في بيان لها " لن تكتمل الثورة دون تحقيق السلام و قوى الحرية و التغيير لا ترغب في السلام و تكرر أخطاء الماضي و ترغب في الغنائم و إقامة تمكين جديد" و الجبهة الثورية تعتقد هي أيضا مكون قد شارك في صناعة الثورة، و تمتلك الحق في الحوار و المشاركة مثل قحت، لذلك هي لن تتفاوض إلا مع مكونات السلطة و ليست القوى السياسية. الأمر الذي يظهر شرخا دأخل قوى الثورة، و قحت تعلم تماما أن هناك اتفاق بين وفد الحكومة و الجبهة الثورية أن لا يتم تعين ولاة و لا تكوين المجلس التشريعي قبل توقيع اتفاق السلام، و قحت تعلم أيضا أن الجبهة الثورية سوف تقاسمها في هياكل السلطة و خاصة إنها سوف تنال نصف نسبة 67% في المجلس التشريعي. كما أن قحت قد جنحت للمحاصصة في تعين الولاة. و جعلتها أولوية حتى علي حل الضائقة المعيشية للناس.
أن التحديات تلقي بظلالها يوميا علي سلطة الفترة الانتقالية، و مادام السلطة تتعامل معها دون برنامج عمل مدروس و متفق عليه، لن تستطيع أن تنجز شيئا. و كما تقول بعض قيادات الثورية أن البطء في تنفيذ شعارات الثورة يعود لغياب المشروع السياسي، و هذا يعود لأن الاعبين الرئسيين في التحالف لا يريدون أن يقدموا رؤيتهم في الحل عبر دراسات علمية، و افسحوا مجالا للكمبارس أكبر من قدراتهم، إلي جانب الوصول إلي منظمات المجتمع المدني و حثها أن تقدم أيضا دراسات للحل في الجوانب التي تخصها. هذا الإغلاق للمساهمات. الغريب في الأمر أن التحرك الذي بدأ يظهر في لجنة إزالة التمكين سببه هو الحركة التي يقوم بها عضوية الحزب المحلول، و في نفس الوقت إعادة ثقة الشارع الذي بدأ يتزمر بسبب الضائقة المعيشية عليه. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.