نُشرت هذه الترجمة في مجلة " تبين "، العدد 31 ــ المجلد الثامن ــ شتاء 2020، وهي مجلة فصلية محكمة تعني بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية، الدوحة ــ قطر. ونقدم هنا هذه الترجمة بصورة مختصرة. الهوامش والمراجع وبعض الشروحات في حوزة المترجم.
"أوراق ألمانية"، الى عادل القصاص، في البلد البعيد.
تستحضر النظرة لتشخيص الحاضر صورة عودة ما يعتقد أنه قد تم التغلب عليه. يبدو أن كل تلك الاشكال التي تحطم مسارها في أواخر القرن التاسع عشر تعاود الظهور لتقود الى الهاوية في القرن العشرين : القومية المتطرفة، رهاب الأجانب، المُغالاة في الوطنية. لكن لا ينبغي على المرء أن يخلط بين الحاضر والماضي، إلا أن الماضي يمكن أن يكون مفيدًا تمامًا لاستكشاف الحاضر. وينطبق هذا أيضًا على العلاقات الحالية بين الهُويات الجماعية، و فهمهم هم عمّن يعتبرونه الآخر واستبعاده في أحايين كثيرة.
إذا نظر المرء مرة أخرى في المعالجة الفكرية التاريخية للعلاقة بين الهوية الجماعية والأخرى (هوية الآخر)، يمكن للمرء أن يتذكر بسهولة لوحة بول كلي (Paul Klee) الملاك الجديد (Angelus Novus) كما جاءت في وصف فالتر بنيامين (Walter Benjamin)، يفسر بنيامين الملاك الجديد كملاك للتاريخ، الذي ينظر بعيون مرتاعة مفتوحة على مصراعيها تتطلعان الى الوراء، على التاريخ وفظاعاته الذي وصفه فريدريش هيجل (Friedrich Hegel ( كمذبحة: تعطي الأقوال التاريخية الأدلة على العلاقة بين المرجعيات الذاتية الجماعية لإقصاء الآخر، وأبعد من ذلك تقدم نظرة حرة عن الهوة الحقيقية للتاريخ الفكري. إذا قام المرء بتأمل الأدلة، فهي في حاجة الى تفسير فالذي يبدو ليس تمجيدًا ذاتيًا وتمييزًا كاستثناء، وانما هو في كثير من الأحيان اقصاء عنيف للآخر. يتم تعيين الأشخاص الأساس، بالفعل من العصور القديمة وتظهر مرة أخرى في الإصدارات التي يعاد تكييفها مع تلك السياقات التاريخية الحقيقية.
توجد بالفعل عند أرسطو شخصيات داخلية و خارجية أساسية لاستبعاد الآخر - نشير هنا إلى التمييز بين هيلينيين وبرابرة ، الحر والعبد أو ايضاً المرأة والرجل. إن التمييز بلا شك جوهري بالمعنى المعرفي: الهويات الذاتية، مثل العديد من العرقيات الأخرى تظهر لأول مرة، أو يتم جلبها إلى العالم من خلال عمليات الإقصاء. وبالتالي، لا يمثل الإقصاء والتمييز على هذا النحو، المشكلة؛ إنهما يخلقان مساحات وينتجان أيضًا عالماً من التنوع، ويتمخض عنه آخر مختلف. فالمشكلة على الأرجح، وكما تثبت العديد من نصوص تاريخ الأفكار، لا يوجد تمييز لا يظهر فيه الشكل المزدوج لتقدير جانب واحد من الاختلاف، بينما في الوقت نفسه يقلل من الجانب الآخر. جاك دريدا (Jacques Derrida)، الذي سوف نعود إليه لاحقاً، قد أضاف بشكل مؤكد لتاريخ الفلسفة في استبياناته التفكيكية: الاختلافات، التي تبدو للوهلة الأولى بأن لها وعي معرفي في المقام الأول، تسير جنبا إلى جنب مع علاقات الهيمنة، من حيث أنها تسعى بقوة إلى تثبيت اختلافات الجانب المُميز عن الآخر للسيطرة عليه أو حتى تشكيله. تلعب اعتبارات نقدية لهذه الأشكال القمعية لتركيب الآخر دورًا أساسيًا، على سبيل المثال، في نظرية الجندر لجوديث بتلر (Judith Butler) أو في خطابات ما بعد الاستعمار.
قمع الخطاب الليبرالي في نشوة النصر من ضجيج النصر التاريخي المزعوم، وخاصة في أواخر القرن العشرين هذه الفروقات وما يرتبط بها من إقصاء، لتبقى بعيدة عن الانظار. ولكن تواصل اختمارها تحت السطح: أشار بوضوح وقتها مؤلفون مثل جاك رانسيير (Jacques Ranciere) وشانتال موف (Chantal Mouffe)، منذ تسعينيات القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الى أن معنى (دلالة Semantik) هيمنة الاِجماع الليبرالي في الديمقراطيات التمثيلية على النمط الغربي، التي لم تجد اهتمامًا كافيًا في مجالات واسعة من النظرية السياسية والفلسفة، سوف تؤدي إلى تقوية المواقف القومية اليمينية، التي يمكن أن تقدم نفسها كبديل للهيمنة الليبرالية . إنهم يفعلون ذلك الآن بنجاحات مرعبة، بجانب، تلك الإشارات الذاتية الشوفينية وعناصر الاقصاء المعادية للأجانب، كان يُعتقد أن تجاوزها قد تمّ، لتُصبح مرة أخرى جزءًا ثابتاً وواضحاً في الخطاب السياسي العام. وعملوا فوقا على ذلك حتى على برامج الحكومة، في عدد ليس قليلا من بلدان الاتحاد الأوروبي - والتفكير يتجه هنا للمجر وبولندا ومؤخراً النمسا. عندما يتم الاحتفال بمثل هذه الأشكال من السيطرة المهيمنة على العواطف في البرلمانات والاشارة الى البيانات الرقمية التي لا حصر لها للرئيس الحالي للولايات المتحدة الامريكية، هناك، ومما يمكن ملاحظته في الوقت الحاضر، السند ايضاً لها بين أجزاء كبيرة من السكان. لذلك، ليس من المستغرب من منظور اجتماعي، الحديث عن اتجاهات نحو "تردٍ حضاري للمجتمعات الغربية".
تحاول هذه المساهمة فتح جهتين من منظور نقدي، فيما يتعلق بالعلاقة بين الهويات الجماعية وحول استبعاد الآخر. الخطوة الأولى هي استكشاف إمكانيات تفكيك استبعاد الآخر.
وسيتم ذلك من خلال جدل مع وهم تطابق الشعب مع ذاته. وتتمثل الخطوة الثانية في تتبع الدوافع العميقة التي تستطيع تفسير، لماذا بلغت العناصر المُهمِشة حالياً هذا الانتعاش العنيف؟ هنا تعود النظرة الى تلك العناصر التي تُبطل مسؤوليتها إزاء مطالب العدالة العالمية وكذلك العناصر التي تُبطل تخويفها في مواجهة الآخر، بإبطال تخويفها من ذاتها.

وهم الشعب حول هويته الذاتية

تعرضت المنهجيات النقدية الجينالوجية (الوراثية) والتفكيكية في المناظرات العامة والعلمية في الفترة الأخيرة، الى تهمة تأجيج سياسات ما بعد واقعانية (Postfaktisch) شعبوية. لقد أثار مايكل هامب (Michael Hampe) هذا الاعتراض ضد ما يسمى اليسار العلمي الثقافي ، حسب وصفه، واتهم بول بوغوسيان (Paul Boghossian)، من منظور واقعية فلسفية جديدة، العلوم الاجتماعية والاِنسانية البنائية بالخوف من الحقيقة، التي تؤدي في رأيه إلى نسبية غير مسؤولة. خلافا لهذه الشكوك العامة، من السهل أن نظهر في الموضوع الحالي بأن أدوات مثل المدخل الوراثي لميشيل فوكو (Michel Foucault) أو التفكيك عند دريدا وكذلك الاِجراءات المرتبطة بهما، مناسبة تماما لبدء حركة استطلاع نقدي مُحكم، التي تسحب ذلك الاساس الجوهري ــ أي، مثال الهوية الثابتة لشعب ماــ الذي يؤكد الافتراضات حول الهُويات الجماعية، والتي لها أهمية كبيرة في المقام الأول بالنسبة للسياسات الشعبوية اليمينية. لبدء حركة مراجعة نقدية محكمة تسحب أساسا جوهريا مثل فكرة الهوية الثابتة لشعب التي تؤكد هويته الجماعية، وهي فكرة ذات أهمية كبيرة في المقام الأول للسياسات الشعبوية اليمنية.
إذا فهم المرء مع فوكو، معنى وحقيقة الأنظمة الاجتماعية كخطابات، التي تدين بيقينياتها المعرفية إلى هياكل السلطة المهيمنة، عندئذ يمكن إخضاع هذه اليقينيات إلى استجواب جينالوجي، بدلا من استقرار مزعوم، أو حتى صلاحيه لا زمنية تنبثق طبيعة الاتفاقية (العرضية) نظريا (Kontingenztheoretisch) كنتيجة للصراعات الاجتماعية والسياسية من أجل سيادة في التفسير. يمكن ايضاً القيام بإيماءات غير مطروقة، مع استراتيجيات دريدا التفكيكية، التي سنعود إليها حالا عند مثال تفكيك الهوية الوطنية.
بادئ ذي بدء، أريد أن أثبت هنا، بأن هناك اختلافاً جوهرياً بين المواقف النقدية المتشككة في الحقيقة و بين الادعاءات ما البعد واقعانية أو ما بعد حدثية (Postfaktizitätsbehauptungen*) للشعبوية وهو اختلاف يتم تجاهله في المناقشة العامة بطريقة متحيزة: في حين أن الآخير يخلص الى نتيجة بطريقة غير متأملة، بحيث أن ادعاءاتهم بعدم وجود حقيقة قائمة على أساس علمي، لا تترك مساحة للتشكيك فيها، فحين أن استراتيجيات الجينالوجية والتفكيكية تؤدي إلى التزام شامل للتساؤل النقدي، والذي يشمل دائمًا استجواباً بالانعكاس الذاتي للفرضيات الخاصة والسلوك الشخصي. يتم رفض هذا النقد الذاتي التأملي، عادة من قبل الحركات الشعبوية. ولذلك يظهر تباين هنا، لماذا الادعاء بأن التشكيك بالحقيقة يعزز خطابات ما بعد واقعاني أو ما بعد حدثي (Postfaktische Diskurse) ليس سببا واهيا فحسب، بل وسيلة قوية تقود لتشويه النقد الفعال ضد الادعاءات ما بعد الواقعانية الشعبوية.
الهوية هي واحدة من أقوى المكونات الجماعية حاليًا، وهي تصور لشعب كمجموعة وطنية يمكن تحديدها بإحكام والتي تؤدي إلى تشديد مطلب إقصاء أحد أو آخرين. في الأوقات التي تكون فيها الحركات السياسية الشعبوية اليمينية كمدافع بثقة عالية بالنفس عن القيم الوطنية والهوية الثقافية القومية وكنقاط مرجعية ثابتة للهوية المشتركة الموجهة ضد الآخرين، فالأمر هنا لا يقود الى مجال جدلي فحسب، بل من الملح التأكيد على أن هذه، في أحسن الأحوال، مجرد أوهام. إن هذه الأوهام تقود للأسف في وسائط الاِعلام المتعددة، الى تكرار التهديدات بعنف بلاغي في الخطاب السياسي، ونتيجة لذلك، زيادة كبيرة في العديد من جرائم العنف ضد مخالفي الرأي والمهاجرين. بالطبع، لا يمكن اشتقاق التبرير المعياري لمثل هذه الأفعال، التي تجلت مؤخراً على اعتبارها كمقاومة من قبل الشعبويين والمتطرفين اليمينيين.

في الفكر التاريخي، تبقى السيادة الشعبية على أية حال منذ البداية مقولة (Kategorie) مفتوحة وغير محددة. إن ظهور الشعب كذات، تقرر مصيرها بشكل ديمقراطي، وبهذا المعنى، جماعية ذات سيادة مشتركة، تعود تاريخيا، كما تبين دراسات كلود ليفورت (Claude Leforts) حول الديمقراطية والسياسة، مرتبطة بتجربة اتفاقية (عرضية) (Kontingenzerfahrung): إن العصر الديمقراطي، حسب قناعة ليفورت، هو عصر يتم فيه حل المسائل متصلة بالاتجاه. وهكذا يمكن فهم الديمقراطية على أنها رد فعل على الادراك بأن العالم الذي نعيش فيه يجب أن يتم إنتاجه وتشكيله، وأنه ليس، بطبيعة الحال، كمسألة مدرجة في نظام ثابت وملزم معياريا. إن مكان السلطة – الذي كان يمارس تاريخيا بوحشية، تم الاعراب عنه من خلال قطع الرأس المادي والرمزي في وقت واحد، للنظام الملكي في اعقاب الثورة الفرنسية – يظل شاغراً في العصر الديمقراطي، بمعنى أنه لا يمكن احتلاله إلا بشكل موقت ويبقى هذا الاحتلال دوما موضوع خلاف .لكن مع ادراك فقدان اليقين وخواء مكان السلطة، يرافق ذلك حتماً تغيير للجماعة الشعبية و كجانب آخر تتوافق مع إغراء استعادة هذه الهوية الجماعية التعددية المنتشرة، كهيئة وطنية موحدة. وبالتالي، إن التجربة الحديثة الاتفاقية في العصر الديموقراطي هي منذ البداية انزعاج من عدم اليقين، وتغذيها المحاولات العديدة لتجاوز تجربة عدم اليقين هذه. يصف ليفورت كمؤلف القرن العشرين، ناظرا للشعب ككل، كيفية محاولات المطامح الاستبدادية محاصرة الشعب لتجاوز التغييرات الديمقراطية. ولذلك ليس من الصعب، على ضوء تشخيص ليفورت ايضا تفسير القوميات الشعبوية اليمينية التي أعيد تفعيلها في الوقت الحالي: فهذه القوميات مدفوعة بالرغبة في تأسيس وحدة موثوق بها حيث يثير سؤال بناء التنوع مراراً وتكراراً، من أو ما هو الشعب الديمقراطي، ليصبح موضوعًا لنزاع ديمقراطي.

أذا اخذ المرء أفكار ليفورت لتفكيك نقاط ثابته كيقين بجدية، سرعان ما يتضح أن مثل هذه الآمال في تأسيس وحدة صلبة لجماعة يجب أن تبقى في نهاية المطاف بلا أساس. ولذلك، ولأن هناك جدل دائم يأتي به التنوع بدلاً من الوحدة المرغوبة، فإن محاولات إنشاء هوية موحدة للشعب في صيغة المفرد لا يمكن أن تتخذ إلا شكلًا عنيفًا. فهم لا يجدون شيئًا من هذا القبيل، لذلك يمكنهم فقط اللجوء إلى الوسائل القسرية لبناء الهوية من خلال استبعاد الآخر. وبما أن الطرف الآخر لا يمكن سلخه؟ عن الشعب الديمقراطي بطبيعته المتعددة الوجوه والمتغيرة باستمرار، فإن محاولات إقامة وحدة من الهوية الجماعية للشعب تصاحبها توحيد الهوية الجماعية للشعب وترافقها ايضاً أعمال استبعاد عنيفة، وفي حالات قصوى، الإبادة الوحشية للآخر. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن تمارس القوميات العنف ضد أولئك الذين هم شهود على التغيير الديمقراطي المستمر للشعب، ومطالبتهم بالانتماء إليه. إذا تابع المرء هنا الاعتبارات التي استخدمها جاك رانسيير للرؤية السياسية ، يظهر الخلاف حول تفسير من أو ما هو الشعب الديمقراطي، فإن الكفاح الحاسم لأولئك الذين يجدون أنفسهم في وضع تاريخي معين كأجزاء يدركون أنهم ذوات وليسوا مجرد أجزاء، وأنهم يدخلون في صراع سياسي لتشكيل العالم بهدف توزيع مختلف للأدوار، وهكذا، يمتد خيط أحمر لنضالات الحركة العمالية للمشاركة السياسية، مع المطالب النسوية من أجل حقوق سياسية متساوية ليصل اليوم الى كفاح المهاجرين. وهذا يعني لدى هؤلاء الفاعلين (التاريخيين) مع غياب أو تقليص الحقوق السياسية، توحد الجهد ليصبحوا جزءاً من عملية صنع القرار السياسي الجماعي للبلدان التي يعيشون ويعملون فيها.
هذا ممكن من خلال التشكيك في البنية الاقصائية للهويات الجماعية واظهارها كحدث اتفاقي عارض. يؤكد رانسيير على هذا الادعاء الاتفاقي تماما، مثلما يؤكده ليفورت. وهو يلعب دور حاسم في نظريته حول نزاع غير المشاركين في القرار السياسي، وذلك لأن قواعد معينة وما تحمله من إدراك للهويات الجماعية الطارئة، يمكن أن يتم التشكيك فيها من أي شخص بصرف النظر عمّن هو.
ويمكن بالتالي القول مع رانسيير، بأن النزاع السياسي - الديمقراطي من أجل تنظيم العالم يمكن ان يكون قائما فقط لأن الهويات الجماعية وما تحملها من قواعد، مصاغة بحدث اتفاقي:
إن أساس السياسة هو في الواقع ليس أكثر من مواضعة اعتباطية بالطبيعة: أنها بسبب غياب (حدوث) (Kontingenz) أصيل لأي نظام اجتماعي. توجد السياسة، ببساطة لأنه لا يوجد نظام اجتماعي قائم في الطبيعة، ولا قانون إلهي يحكم المجتمعات البشرية.
لكي تكون قادراً على التشكيك في يقين الهويات الجماعية، يجب أولا تقديم إثبات حدوثها. تقدم هنا استراتيجية دريدا للاستجواب التفكيكي أدلة حاسمة تقودنا إلى الأطروحة النقدية المركزية لهذا القسم:
إن تصور وجود شعب متطابق مع نفسه هو في نهاية المطاف مجرد وهم كما بين دريدا في"سياسة الصداقة". فالتصورات المحصنة بالسرد القومي المفترض، والتي تحيلنا لأصل مشترك يمكن بسهولة سحب البساط من تحتها لأنها في نهاية الأمر مجرد تأليف أحلام وخيالات. ومع ذلك، فإن كلاهما ــ المجتمع الخيالي والمعاد خلقه ــ مرعب بالنسبة لأولئك الذين يمثلون الجزء الآخر من هذا المجتمع، بسبب عواقب الاِقصاء العنيفة. لكن ما يهم هو أن هذا الاقصاء يمكن أن يكون موضع تساؤل:
كل السياسات، وجميع الخطابات السياسية، التي تستند على "الولادة" و "الأصل" تمارس انتهاكا بما لا يمكن إلا أن يكون اعتقادا لها، البعض يتحدث عن مجرد الإيمان، والبعض الآخر عن فعل الإيمان. كل ما يشير داخل الخطاب السياسي إلى الولادة، الطبيعة أو الأمة - حتى الأمم أو أمة الاخوة والانسانية العالمية – كل هذه الانتماءات تقوم في إعادة تجسيد ذلك "الخيال".

مع أخذ هذه الأفكار في الاعتبار، يمكن رسم خط يفصل بشكل قاطع بين الحركات الشعبوية اليمينية التي تسعى إلى اختلاق هوية جماعية تقصي بها الآخرين ــ وفي كثير من الأحيان بالعنف ــ ومن جهة أخرى النضال الديمقراطي من أجل المشاركة السياسية والذي يقوم من البداية على التنوع، وعلى قابلية الهوية الجماعية للشعب الديمقراطي للتغير. في نظرية رانسيير عن رؤية السياسة للجزء باعتباره ذاتا وليس مجرد جزء يدور صراع من أجل إعادة تشكيل المسرح السياسي يؤدي لتنظيم الأدوار بهدف توسيع المجموعة السياسية وليس إغلاقها باستبعاد الآخرين. أشارت جوديث بتلر مؤخراً بوضوح الى حقيقة أن التجمعات باسم الشعب ضرورية للاحتجاجات الديمقراطية، لكن في نفس الوقت يستحيل جمع كل الشعب والتحدث باسمه، لأن كل فعل من هذه الأفعال يجلب معه نزاعاً حول من أو ما هو الشعب في الواقع. يمكن القول بعد ليفورت ورانسيير وبتلر، بأن الاحتجاج الديمقراطي والبناء الديمقراطي للشعب سيعتمدان بشكل حاسم على إبقاء الخلاف مفتوحا حول من أو ما هو الشعب. وعلى النقيض من ذلك، تدّعي الحركات الشعوبية اليمينية أنها الشعب، أو على الأقل تستطيع بدون شك أن تتحدث باسم الشعب، ومن أجل ذلك يستغلون دلالة الديمقراطية كأداة فقط، لكنهم في الأساس معادون للديمقراطية لأنهم يعادون التعددية.

عناصر الدفاع
بجانب مسألة طرح سحب البساط عن الافتراضات الجوهرية التي تحمل الهياكل الاستبعادية للهويات الجماعية، من المهم ايضاً استكشاف ما الذي يمكن ان يدفع الى هذا النجاح في ضوء الاِزدهار الهائل والعابر للحدود الوطنية، الذي تشهده حاليا الحركات الشعبوية. متاح هنا حاليا عدد كبير من التفسيرات المختلفة. لا يمكن، وبالتالي لا ينبغي أن يكون الهدف من الأفكار التالية، مناقشة شاملة، تقود الى عرض شامل لمجموعة كاملة من المناهج التفسيرية.
لقد تم إيلاء اهتمام كبير للتأملات التي طرحها ديدي إريبون (Didier Eribon) بوضوح خاص في كتابه "العودة الى رايمس" الذي تناوب فيه بين إعادة بناء السيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي. ووفقاً لحجة إريبّون فإن قوة الأحزاب الشعبوية اليمينية، التي تقوم سياسياً على بناء هويات اقصائية، نتجت عن أن آمال شرائح اجتماعية كانت جاهزة الاستعداد خابت في سياسات العدالة الاجتماعية لليسار، هذه الخيبات، التي يمكن تلخيصها في فكر مركزي، قاد في البداية، بأن تلك الشرائح من السكان الذين كانوا يأملون في سياسة إعادة توزيع أكثر عدالة من الحكومات الائتلافية اليسارية، لم تعد ترى أن الأحزاب اليسارية قد عادت تمثلها وأنها اتجهت إلى عالم هموم العيش المتنوعة وفقدت تركيزها على المسألة الاجتماعية بشكل متزايد. هذه الفجوة في التمثيل يمكن، حسب هذه الأطروحة، أن تفيد الأحزاب الشعبوية اليمينية. وباستخدام فرنسا كمثال، يمكن القول بشكل مبالغ، أن الأحزاب اليسارية قد دفعت ناخبيها السابقين إلى أحضان أحزاب الشعبويين اليمينية، لأن ساستهم، بعد انتخابهم، أثبتوا أنهم يسار كافيار يفتقرون إلى الحساسية الكافية للمشاكل الملحة للطبقات المحرومة اجتماعيا.
تفسيرات مثل هذه تثير بالتأكيد نقطة واحدة تركز على أسس هياكل التمثيل السياسي للديمقراطيات الغربية. يبدو لي علاوة على ذلك ان مناهج توضيحية إضافية جديرة بالذكر، وهي مناهج تعكس ما يجري الدفاع عنه خارج هذه الأبعاد الداخلية. وقد تلمس هذه الأبعاد مشاكل أكثر جوهرية، بحيث تعالج قضايا تتعلق بغياب العدل في وضع الهياكل الاقتصادية والسياسية للمجتمع العالمي. بالنظر الى ضوء الحاجة للوعي المتزايد إلى تركيبات هويات استبعادية، يبدو لي قبل كل شيء، أن هناك عنصرَي دفاع مهمان. الأول يتعلق بمسائل العدالة العالمية وربما يمكن وصفه على أفضل وجه بأنه إبطال المسؤولية؛ يضاف الى ذلك العنصر الثاني، وهو إبطال الخوف مما يمكن فهمه كاستجابة لتغير النظام الكوني من منظور الاِزدهار وسوق العمل. كلا البعدين يمسان قضايا معقدة للغاية، ولهذا السبب أود أن أحصر نفسي هنا في مناقشة تعتمد على نموذج. و أتخذ موضوع إبطال المسؤولية باعتمادي على أفكار إيريس ماريون ينغ (Iris Marion Young) حول العدالة العالمية. اما مسألة إبطال الخوف أناقشها مع جدل أطروحة جوزيف آِشلي مبيمبي (Joseph – Achille Mbembe) حول "عولمة الحالة السوداء".
ابطال المسؤولية: المسألة المكبوتة للعدالة العالمية

تقف إيريس ماريون ينغ منذ البداية ضد خط الافتراضات الأساسية التقليدية المستخدمة كثيرا في نظريات العدالة في الخطابات المعاصرة: في حين أن الكثير من نظريات العدالة الرائجة، تعود الى جون رولز (John Rawls)، بربطه إعادة توزيع العدالة على المرجعيات المؤسساتية والمجتمعية لمجتمع دولة قومية منظمة، تطالب ينغ في المقابل بشدة، بأن مثل هذه الأشكال السياسية والمؤسسية لتنظيم المجتمع لا يمكن أن تكون شرطا لمطالب العدالة، بل يجب بالأحرى فهمها بدلاً من ذلك على أنها استجابة للالتزامات الناشئة من منظور العدالة. لقد صمم رولز في البداية، كما هو معروف، نظريته عن العدالة لمجتمعات الدول القومية وفي تحوله اللاحق إلى منظور ما وراء الدولة القومية، أكد أنه على المستوى العالمي، لا توجد التزامات عدالة لمبادئ إعادة التوزيع مماثلة لمستوى الدولة القومية. وُصف هذا الموقف في المناقشة حول العدالة العالمية، باعتباره موقفاً فردياً يمثله اليوم في شكل شديد الخصوصية ، ديفيد ميلر (David Miller)، الذي ينطلق من أن المطالب الخاصة ايضا بعدالة إعادة التوزيع حسب وجهة نظره، نتيجة روابط خاصة تميز المجتمعات الوطنية.
تضع ينغ في المقابل فكر العدالة بشكل جوهري مختلف: فحتى في كتابها، الذي أصبح الآن يوصف بالكلاسيكي والصادر في عام 1990 بعنوان "العدالة وسياسة الاختلاف" (Justice and the Politics of Difference)، تنتقد فيه التركيز الضيق لنظريات العدالة على أبعاد إعادة التوزيع. حسب وجهة نظرها تتعلق، مسائل العدالة في المقدمة حول ظروف الاضطهاد؛ عدم المساواة في التوزيع يجب فهمها كنتيجة لهياكل الاضطهاد (القمع). لذلك، تقترب ينغ لمنظور العدالة من سؤال نقدي لظروف الظلم السائدة. لذلك ينفتح منظور للعدالة مختلف تمام الاختلاف حول مسألة المسؤولية: من حيث تضع ينغ أولاً مسألة الظلم من خلال التركيز على ظروف القمع والاستغلال، وثانياً كظاهرة هيكلية، فهي لا تركز على الشروط المؤسسية التي يجب أن تكون موجودة من أجل تأسيس إعادة توزيع جماعية، كما هو الحال غالباً مع رولز وخلفائه، ولكنها تركز بدلاً من ذلك على جميع الظروف التي تسبب الظلم. وهذا يؤدي إلى تجاوز منظور العدالة للحدود الوطنية للدولة و إلى صيغة موسعة بشكل كبير لمفهوم المسؤولية. إن كل الهياكل والعمليات التي تضع البشر في علاقات مع بعضهم البعض والتي من الممكن أن ينتج عنها الظلم تقع في دائرة اهتمام نظرية العدل. في عالم معولم، تتجاوز مسألة العدالة حدود الدول القومية. ووفقا لقناعة ينغ فإن المدخل البنيوي يغيّر وجهة النظر عن مسؤولية الظلم والاضطهاد وعلى من تقع هذه المسؤولية المؤدية للظلم والاضطهاد: ففي حين أن المسؤولية حسب المفهوم الذي يتمحور حول الفاعل تقع على أولئك الذين يشاركون في الإنتاج النشط لأنهم يمارسون مثلا استغلالا واضطهادا، فإن الوضع بالمقابل يبدو مختلفا تماما عندما ننظر للمسؤولية عن الظلم والاضطهاد باعتبارهما ظاهرة هيكلية، كما تقترح ينغ. قد يوضح المثال التالي المصطلح المرتبط بالفاعلين: لا أحد في أوروبا الغربية يشتري بصورة متكررة وسخية ملابس تم إنتاجها في ظل ظروف استغلالية في بلدان الجنوب المعولم يتحتّم عليه ان يربط فعل شرائه هذا بنِيّة أو غرض أنه يريد أن يمارس استغلالا واضطهادا. ولكن من منظور هيكلي، ليس هناك طرف محظوظ وآخر غير محظوظ فحسب، بل لديهم جميعا حصة في عملية تبادل عالمية تتميز بهياكل غير عادلة واستغلالية - وبالتالي فإن أولئك الذين يتمتعون بهذه العلاقات غير العادلة يتحملون مسؤولية مشتركة تجاه أولئك الذين يتم استغلالهم.
إن الرأي الذي تعبر عنه بشكل خاص الحركات الشعبوية اليمينية من أن الناس الذين يأتون من الجنوب المعولم ويبحثون عن حياة أفضل في بلدان الشمال هم لاجئون اقتصاديون يرفض على التحديد هذا السياق في نظرية عدم المساواة. إن ادعاءات ما يسمى باللاجئين الاقتصاديين والتي يتخلّى مواطنو الدول ذات الامتياز والثراء بموجبها عن مسؤوليتهم ادعاءات غير مشروعة. وإذا أخذنا حجج ينغ من ناحية أخرى بجدية، فعندئذ سيتم بناء تجمعات وطنية هنا، والتي تستبعد مطالبات الآخرين لأنها تزيل العلاقة المتبادلة للظلم والمسؤولية التي تنبع منها. وهذا لا يدلنا عما سيترتب على ذلك سياسيا. إن عالما بلا حدود غير ممكن من الناحية السياسية في وقتنا الحالي. إلا أن الواضح أن مجرد رفض مطالب المشاركة ليست بخيار مشروع، خاصة وأن مطالب المحرومين حسب رانسيير ليست بأكثر من المناشدة للالتزام بالحد الأدنى من حقوق الإنسان: هذه المطالب هي مطالب العدالة، لأننا مترابطون بعضنا ببعض من خلال نظام عالمي ينتج المتميزين والمستغَلين. من الجائز ان تؤدي عوائق سياسية واجتماعية كبيرة لمواجهة عاجلة وشاملة لهذه الهياكل الظالمة. إن العملية السهلة للإقصاء عبر التنصل من المسؤولية عملية لا يمكن إضفاء الشرعية عليها، كما يدعي الشعبويون اليمينيون، بالإصرار على تضامن اجتماعي قومي محدود. لقد استطعنا أن نرى من قبل أن هياكل الهوية الجماعية وأشكال الاستبعاد المرتبطة بها لا يمكنها الصمود على الإطلاق، من خلال المساءلة النقدية. الآن، يظهر أبعد من ذلك بأن التجمعات المتغيرة باستمرار، والتي يكتسب أعضاؤها حقوق المواطنة - من خلال عمليات تاريخية ممكنه في الدول القومية - تشارك أيضًا في الهياكل ذات الصلة بنظرية العدالة والتي تتجاوز الدول القومية المعنية. ومع ذلك، يخشى أن يقوم في الوقت الراهن أنصار الحركات الشعبوية اليمينية بشراهة، زيادة رهاب الأجانب، هذه الشراهة، بشن حملاتهم العنيفة المعادية للأجانب نتيجة شعورهم المبهم بهذا الترابط. علاوة على ذلك، من المقبول نتيجة لإحساسهم الداخلي بعلاقات الظلم العالمي وإعادة توزيع الفضاء(الأمكنة)، أن يرافق هذه العلاقات الخوف، الذي يتوسل بالهوية الوطنية في شكل الحق المعياري، لاستبعاد الآخرين. على إبطال هذا الخوف نلقي أخيراً نظرة سريعة.
إبطال الخوف: عولمة الحالة السوداء

في القسم السابق، عند الجدل مع مسائل العدالة العالمية، من الطبيعي استخدام التمييز بين الشمال المعولم والجنوب المعولم، والذي، لا يبدو على الاِطلاق مستدامًا. صحيح أن هذا التمييز لا يزال لديه بالتأكيد قيمة توجيهية معينة في الوقت الحاضر، لأن توزيع الفقر والثروة لا يزال يسمح له على الصعيد العالمي، للتمييز بين البلدان الغنية، وعلى نحو أكثر تواترا في الشمال المعولم، وخاصة في ما يسمى عالم شمال الأطلسي والبلدان الفقيرة في الجنوب المعولم تظهر اتجاه حركات الهجرة الحالية بأن هذا التقسيم لا يزال في الوقت الراهن ايضاً صحيحاً. وفي الوقت نفسه، تظهر هذه الصورة، التي توحي بوجود اختلافات حادة تنطوي على شقوق كبيرة ذات صلة بالموضوع الحالي بعودة قوية لتركيب الهوية الجماعية وفي عين الوقت استبعاد الاخرى. يتعين على المرء أن يفكر في تهميش فرص الحياة نتيجة لاقتصاد العولمة الليبرالي الجديد، الذي لا يتكيف إطلاقاً مع التقسيمات الجغرافية العالمية. بل على الأرجح يتم تسجيل تباينات صارخة الآن بين ما يسمى مجتمعات الطبقة الوسطى للشمال المعولم. تعيش أكبر المجموعات السكانية في ظروف فقر جزئيا، ولكن على الأقل في مثل ظروف تهميش هيكلية. بالتأكيد سوف يكون هذا اختصار للجدل، القول بأن المجموعات المهمشة هي الحامل الأساسي للحركات الشعوبية اليمينية ونجاحاتها. ومع ذلك، لا يمكن صرف النظر عن وجودها ومخاطر الافقار، التي أثارتها السياسة الليبرالية الجديدة والاقتصاد الليبرالي الجديد، وتعزيز الترويج على الخوف من الأجانب والذي يستخدمه الشعوبيون عن طريق تحويل الذنب من التهميش الذي أتت به الليبرالية الجديدة إلى وصم الآخرين، بزعمهم أن هؤلاء الآخرين الموصومين عرّضوا الثروات الوطنية للبلدان الغربية للخطر، كما أن وجودهم، وفقاً لادعاءات أخرى، أدى إلى حرمان المواطنين من الوصول إلى الموارد التي يجب أن يحتفظ بها للمواطنين فقط وفقاً للقناعات الشعبوية اليمينية. وجدت نانسي فريزر (Nancy Fraser) ــ في مقال لهذا السياق المتعدد الطبقات ــ عنوانا مدهشاً وصارخاً: "استجار من رمضاء الليبرالية الجديدة المتصاعدة، بنار الشعبوية الرجعية"، تتبع فيه مثال النجاح الانتخابي الذي حققه دونالد ترامب، وتُظهر فيه، بأن طريق الشعبوية اليمينية الى الرئاسة لا يمكن تفسيره بدون سياسة ليبرالية جديدة سابقة
حسب تقييمها هناك حاجة للناخبين إلى رفض "المزيج السام من سياسة التقشف، والتجارة الحرة، وعبودية الديون والوظائف ذات الأجر المنخفض"، وكذلك أيضا على خلفية الإنجازات الشعبوية اليمينية الأخرى مثل تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البركست) أو التأثير المتنامي للجبهة الوطنية في فرنسا. إن ما تنجح به الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية هو تحويل الخوف: الخوف من التهميش الشخصي وتحويله إلى خوف من الآخرين، والذي يتم تحديدهم بالغرباء من قبل جماعية وطنية متباهية. وفقا لهذه الحجة، يجب أن يتم تثبيت حدود هذه المجموعة القومية من أجل منع أولئك الذين يهددونها، حسب وجهة النظر اليمينية الشعبوية.
لقد خلق آِشلي مبيمبي صورة تشخيصية، حاضرة رائعة لخلفيات ابطال هذا الخوف الجماعي من خلال التحدث عن سواد العالم. ما هو المقصود بذلك؟ يميز مبيمبي في بداية كتابه نقد العقل الزنجي، بين ثلاث مراحل للعلاقة بين السود المستَغلين والبيض المستغِلين: تهيمن المرحلة الأولى على تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، التي تمتد من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، في سياق التطور الرأسمالي المبكر. يجسد الناس الذين سُلبوا من غرب إفريقيا في هذه المرحلة، بشكل أوضح التشخيص الماركسي بأن علاقات الإنتاج الرأسمالي تجعل الناس سلعة: يتم تحويل الناس المستَعبَدين حرفيا إلى "اشياء بشرية، وسلع بشرية، ومال بشري".. تبدأ المرحلة الثانية في نهاية القرن الثامن عشر وتستمر حتى نهاية القرن العشرين. تتميز بسلسلة من المعارك من أجل التحرير والحقوق (بما في ذلك المعارك لإلغاء الرق، ونضالات تصفية الاستعمار في البلدان المستعمَرة، وكذلك حركات الحقوق المدنية والحركات المناهضة للفصل العنصري). تقع في المرحلة الثالثة التطورات التي تقود مبيمبي إلى أطروحة أن العالم يصبح أسوداً. تبدأ في أواخر القرن العشرين وتمتد إلى الحاضر (ويفترض أبعد من ذلك). ووفقاً لمبيمبي، فإنه يتميز بظاهرة "عولمة الأسواق، والتعقيد المتنامي للنظام المالي، والمجمع العسكري ما بعد الإمبريالي والتقنيات الإلكترونية والرقمية". إلى أي مدى يمكن القول الآن أن العالم قد يكون أسود؟ أليست العنصرية اليوم أكثر تواترا في ثياب العنصرية الثقافية من العنصرية البيولوجية، و ظروف الاستغلال الاستعماري لا تتجدد في عالم ما بعد الاستعمار من خلال علاقات تجارية إمبريالية؟ لا يشكك مبيمبي في مثل هذه التقييمات التشخيصية على الإطلاق: يتميز العالم الاقتصادي، المالي والرقمي المعولم في يومنا هذا، في تقديره بممارسات إمبريالية، التي تستند، من بين أمور أخرى، إلى "المنطق الاستعماري للاحتلال والاستغلال".
إن الجديد من وجهة نظره، بأن هذه المخاطر المنهجية وإضافة مخاطر جديدة سوف تتعرض لحالات الاستغلال الراديكالي المتطرف، وأن تصبح جزءا من قوى بشرية عاطلة، والتي توغلت منذ فترة طويلة في عواصم عالم شمال الأطلسي. وهي تمس المجموعات البشرية المضطهدة عرقياً كما في السابق بدرجة عالية وبمقدار كبير، لكنها لا تقتصر على ذلك فحسب، بل هذا "مصير كل المجموعات التابعة من الناس"، التي تزداد عالمياً. كانت الرأسمالية وما زالت عنصرية من وجهة نظر مبيمبي، لكنها اليوم "تعيد استنساخ" مركزها الخاص، الذي يجلب "احتمالات اسوداد العالم والذي يبدو أكثر وضوحا من أي وقت مضى. إن منطق توزيع العنف على نطاق عالمي لم يعد يرحم أي منطقة من مناطق الأرض، ولا العملية الكبرى، التي لا تزال جارية من تقليل قيمة القوى المنتجة".
مع ذكر هذه النقطة الأخيرة وخاصة، تخفيض قيمة القوى المنتجة، يجعل القوس يمتد بوضوح كبير ليعود بنا الى موضوعنا الخاص من أشكال تركيب الهوية الجماعية، والتي تسعى إلى استبعاد الآخرين. إذا لجأ اليمينيون الشعبويون إلى هذه الأشكال من الهويات الجماعية في شكل سرديات قومية لرهاب الأجانب، فيمكنهم، في رأيي، أن يستندوا إلى إبطال أي خوف من رواسب عالم العيش الواضحة، التي يثيرها تشخيص مبيمبي لعولمة الحالة السوداء.
ولذلك، من الواضح أيضًا بأن استراتيجيات إبطال الخوف اليمينية الشعبوية لا تستخدم فحسب المحتوى اللاإنساني فحسب، بل إنها تطلق سهامها نحو الفراغ دون أن تستهدف التحديات الفعلية. لا يشكل المستبعدون الآخرون تهديدا. إن المخاطر العالمية الحالية المتمثلة في الاستغلال والتهميش ونشر العطالة هي بالأحرى نتائج مترتبة على الرأسمالية المنفلتة ومن إفرازاتها تلك النتوءات المتمثلة في الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية، التي لا تكتفي بالصمت في مواجهة المخاطر الحقيقية، بل انها على العكس من ذلك، وبفعل نشوء وضع يسوده الخوف من الأجانب، تحرف الأنظار عن الواقع.

*********

Oliver Flügel – Martinsen, Postidentitäre Demokratie, Mittelweg 36, Zeitschrift des Hamburger Instituts für Sozialforschung, Heft 3 Juni/Juli 2018

أوليفر فلوغل - مارتينزين (Oliver Flügel -Martinsen) أستاذ محاضر في النظرية السياسية وتاريخ الأفكار، كلية العلوم الاجتماعية في جامعة بيليفلد، ألمانيا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////
/////////////////