بسم الله الرحمن الرحيم

أمدرمان - 2 ابريل 2020
منذ فترة ليست بالقصيرة تنتاب البلاد والعباد موجة سخط من الارتفاع المتصاعد في أسعار السلع وهي مفهومة ولها مبرراتها ومنطقها في ظل تدني الدخول وعدم وجود أفق لحل، مع ما يبدو كأنه عجز أو إنهيار اقتصادي شامل. وهناك شعور عام ومخيف بأن الحكومة لا تقوم بما يليها نحو توفر السلع وارتفاع أسعارها المتصاعد وحماية المستهلك، الذي يرده الكثيرون، دون كثير تدبر، لجشع التجار. ولم نسأل أنفسنا لماذا أصبح جشع التجار فجأة هو سبب مشاكلنا كأنهم نبت خبيث جاءنا من السماء.
وظهرت على إثر ذلك دعوات لمقاطعة السلع كنوع من أنواع كبح جشع التجار، هذا المدعى، لعل أشهرها الدعوات الأسفيرية لمقاطعة اللحوم قبل عدة أشهر. وانتهت هذه الدعوة الى لا شيء، كما هو متوقع، فقد قاطع بعض الناس اللحوم لأيام ولكن سرعان ما عادت الأمور لمجراها دون أي أثر يذكر. ولكن ذلك لم يمنع تكرار مثل هذه الدعوات التي تعتمد التفسير الخطأ للظواهر الاقتصادية ربما لسهولة ذلك ولعدم توفر آليات التحليل الاقتصادي لرجل الشارع البسيط، وبسبب المقولة الشعبية الذائعة حول ان الاقتصاد السوداني يقع خارج نطاق المعرفة الاقتصادية.
وتدور الآن حرب حامية في الاعلام والأسافير بمواجهة مجموعات صناعية وتجارية بعينها لأنها رفعت أسعار سلع استهلاكية هامة تتداول فيها دون مراعاة لظروف البلاد، وأنها أيضا لم تقم بالمساهمة بما يكفي مع مجتمعها لمكافحة جائحة كورونا التي ضربت العالم وتهددنا تهديدا كبيرا. ومقارنة ذلك بما فعله كبار الصناعيين مثل (جورجيو أرماني) مصمم الأزياء الايطالي المعروف، والذي قيل انه تبرع بمبلغ يفوق المليون دولار للمشافي في روما وميلانو. ويقال هذا الكلام بالطبع دون تحقق أو رصد دقيق لمساهمات القطاع الخاص السوداني مع شعبه في الماضي والحاضر، والذي أثق وأعلم أنه لن يتوانى في المساهمة للشأن العام، شأنه في ذلك شأن أي مجموعة من مكونات مجتمعنا.
في بادرة تبدو لحل المسألة، أصدر السيد وزير التجارة والصناعة في 23 مارس 2020 قرارا شمل قائمة من تسعة سلع هي السكر والعدس والأرز والشاي وزيوت الطعام والصابون والدقيق ولبن البودرة والفول المصري وكون لجنة من سبعة اشخاص منهم 4 من التنفيذيين وممثلين لأصحاب العمل وممثل لحماية المستهلك لتنظر في مهام محددة هي:
- الاتصال بجميع الجهات لحصر أرصدة هذه السلع.
- أعداد الأسعار التأشيرية ومراجعتها مع الأسعار العالمية وأسعار الصرف.
- تحديد فئات للأرباح القطاعية (تاجر الجملة والقطاعي).
على ان تعقد اللجنة اجتماعاتها بصفة دورية اسبوعيا ولمدة شهرين قابلة للتجديد.
لم يفصح بيان الوزير عن التشخيص الاقتصادي الذي اعتمدته وزارته للمشكلة أو المشاكل التي سيعالجها تكوين اللجنة المذكورة وتكليفها بتحديد أسعار السلع المشار اليها، وهل هو فعلا جشع التجار الذين دفع باثنين من ممثليهم ليكونوا أعضاءا في لجنته أم انه امر أو أمور آخرى.
ولم يوضح المنشور مدلول الأسعار التأشيرية بمعنى: هل هي أسعار ملزمة أم أنه من المتوقع صدور لوائح تجعلها ملزمة؟ وتناول القرار تكليف اللجنة بتحديد هوامش الأرباح لتجار الجملة والتجزئة للسلع المذكورة علما بأن هذه السلع توزع عبر سلاسل توزيع متعددة جدا ومتراوحة في احجامها الاقتصادية واقتصاديات أعمالها في تبسيط يشير لإستسهال للمهمة. ومن ناحية أخرى لم يذكر القرار هوامش المستوردين لا ندري لماذا؟؟؟
أن التفحص الاقتصادي العقلاني لما يحدث من ارتفاع عظيم في أسعار السلع والخدمات لا بد أن يخلص الى أن هناك تفسيرا وتشخيصا بينا وواضحا وضوح الشمس لهذه الظاهرة التي نحن بصددها من تصاعد في أسعار السلع . فمعدلات التضخم التي فاقت 70% ولعلها في طريقها لما يقارب مائة بالمائة وأكثر من ذلك والارتفاع المحموم في سعر صرف العملات الأجنبية يقارب انهيار قيمة جنيهنا مع التوقع بالمزيد من هذه الاثار في ظل ما وعدتنا به الموازنة من زيادة في الكتلة النقدية لتصل 50% بل و80% في توقعات بعض المنظمات الدولية المهتمة بالشأن السوداني، وفي ظل أحباط عام من غياب أي افق لوضع سياسات معقولة لتحقيق ما يسمى " بالتثبيت الاقتصادي" ، وقد انقضي الان ربع العام منذ بداية العام المالي 2020 أسباب كافية لتفسير ما يحدث. تبعا لذلك فلا أظننا في حاجة الى تفسير آخر لا يقوم على ساقين ليفسر الظاهرة "كجشع التجار".
وقد أستمعت لتسجيل من مسؤول بأحدى تنظيمات رجال الاعمال وهو يشكو من أن نفقات الترحيل لطن السلع من بورتسودان للخرطوم قد تضاعف من 3 الف الى 13 الف جنيها ، وانهم يشترون المحروقات لتشغيل أعمالهم الصناعية بأربعة أضعاف أسعارها...ويشكون لطوب الارض من عدم استقرار التيار الكهربائي بالنحو المطلوب لبرمجة عمليات الإنتاج ، ويشكون من خلل كبير وتدني في خدمات المناولة بالميناء لدرجة أن المصدرين يدفعون الرسوم والغرامات نتيجة هذا الخلل ، وأن البواخر التي تحمل الواردات ترجع وهي لا تجد طريقها لتفريغ حمولاتها.
وفي ظل هذا الحال يكون العلاج لمسألة ارتفاع الأسعار واضحا ويتمثل في الآتي:
- مخاطبة الناس بحقيقة الازمة وتعريفهم بمسبباتها وتحمل مسؤولية الفشل المترتب على عدم مقدرتنا توفير الخدمات اللازمة لأداء الاقتصاد وهو الشرط اللازم والضروري لتوفير السلع وبأسعار معقولة.
- كبح جماح الاتهامات القائلة بجشع التجار وهم لا شك شريحة أساسية من شرائح المجتمع ولا يصح الإساءة الجماعية المجانية لهم دون دراية بالأمر الاقتصادي. قد لا يهتم الكثيرون بالأمر ولكن الناظر لهذه القضية من منظور دور مثل هذا السلوك في تماسك المجتمع ودعم رأس المال الاجتماعي لا بد أن يثمن ما نقول.
- دعوة الجميع للتكاتف ولمخاطبة جذور الازمة وتقبل أن حلها يتمثل في توافق "الجميع" على برنامج اقتصادي يهدف الى تهيئة البلاد لاستغلال كافة طاقاتها للإنتاج وحل العوائق المتمثلة في أزمة الكهرباء والوقود والنقل البري والبنيات الأساسية كالموانئ والعمل بكل ما يلزم لتحقيق التثبيت الاقتصادي عبر السياسات المالية والنقدية والتجارية على حد سواء.
أما الاتجاه الداعي الى استعمال قوانين الطوارئ وتبني سياسات تحديد الأسعار وهوامش الأرباح ومراقبتها فهو لا ينطلق الا من الفهم الشعبوى المخل والمختل بأن المشكلة تتمثل في جشع التجار وعدم أمانة ووطنية الرأسمالية السودانية. ومثل هذه المقولات ، الرقيقة منطقا، فهي لا سند لها في الاقتصاد وعلومه السلوكية. وهنا لا بد أن نشير الى أن شبهة استغلال الناس بزيادة الأسعار يشترط لها، في علم الاقتصاد، توفر قوة احتكارية يستند عليها البائع. ولكننا نعلم أن السلع التسعة المختارة التي يتم الحديث عنها، بل ومعظم سلع الاستهلاك في السودان، يتم تداولها في ظل أسواق تنافسية وتصل الى المستهلك بالتالي عبر الآلاف من قنوات التوزيع والتجار وعبر آلاف البائعين وبالتالي بأسعار تعكس نفقاتها وهوامش أرباح طبيعية وغير احتكارية.
وحتى اذا كانت الوزارة ترى بوجود احتكار في أسواق تداول سلعة او سلعا بعينها فان ذلك يكون بمواجهة مثل هذا الاحتكار مباشرة بالقانون والممارسات الرادعة كما يحدث في الدول التي تتبنى اقتصادات تعتمد على الأسواق وتفهم أهمية الأسواق في مجتمعاتها.
أن القول بتحديد أسعار السلع وهوامش أرباح التجار هو العلاج الخطأ الذي نشأ بسبب التشخيص الخاطئ وهو في نهاية الامر عودة لممارسات سابقة وإدخال الحكومة في مهام ليست من مهامها، وكنا نظن أننا قد تجاوزنا مثل هذه الممارسات الخاطئة. تجاوزناها بفهمنا لدور الحكومة الرئيسي المتمثل في تهيئة المناخ للمصنعين والمنتجين والموزعين وكل العاملين بالقطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي في كافة أنحاء البلاد وكافة القطاعات الاقتصادية ليعملوا بكفاءة عوضا عن التدخلات غير المدروسة والمدفوعة بنقص في فهم الاقتصاد وفهم لمهام الدولة.
هذه هي الوصفات والعلاج الخطأ التي تنشأ من التشخيص الخاطئ للمشاكل التي يسببها الوضع الاقتصادي المأزوم الذي نعيشه، وكما ذكرنا فان الوزارة لم تتكرم بعرض تشخيصها للمرض الذي تود علاجه عبر تحديد أسعار السلع، أساسية كانت ام غيرها.
واذا كان ثمة أمر لا نرى فيه غضاضة، بل وندعمه، فهو حرص الوزارة على متابعة توفر السلع. ولكن نأمل أن يتركز الاهتمام بعلاج العوامل التي تهدد الانتاج وتشكل عوائق لتطوره. فالشعب يمكنه تحمل بعض الرهق أذا كان ذلك في سبيل تحقيق مزيد من كفاءة في الإنتاج لأنه يعلم أن ذلك وحده هو الطريق الذي يؤدي الى الوفرة في كافة السلع وبالأسعار المناسبة.
أما قضية العودة لنظم تدخل الدولة لتحديد أسعار السلع والخدمات فذلك نهج جربناه لعقود طويلة وجربه العالم غيرنا طويلا واقتنع الجميع بخطل ذلك النهج والسياسات التحكمية التي يقوم عليها. وأصبح تدخل الدولة الراشدة (حين يتعلق الامر بتحديد أسعار السلع) محدودا في مجالات بعينها أعطتها الدولة حكرا لتقديم الخدمات مثل خدمات الكهرباء والاتصالات والمياه والمرافق العامة الشبيهة. ويبرر تدخل الدولة في تحديد الأسعار في تلك الحالات الاحتكار الذي تمنحه الدولة لمثل هذ النوع من المنشآت حتى يستفيد المجتمع من اقتصاديات الحجم فيها وكبر حجم الاستثمارات التي يتطلبها انتاج هذه الخدمات بأدنى قدر من التكلفة. أعطى الاقتصاديون هذا النوع من الصناعات مسمى خاصا هو: الاحتكارات الطبيعية (Natural Monopolies). أما أن تتدخل الدولة في تحديد الأسعار للسلع في الاسواق التنافسية بدعاوى مثل جشع التجار فذلك مما ليس له تفسير سوى أنه علاج خطأ نشأ من تشخيص خطأ. والعلاج الخطأ يسبب الضرر وقد يقتل مريضه كما نعلم.
ونختم بالقول أن التجار ليسوا ملائكة كلهم ولكنهم ليسوا شياطين كلهم أيضا. ولا يمنع قولنا هذا في التعامل مع من أخطأ منهم وفقا لمعايير القانون خاصة حين يتعلق الامر بالتطفيف والتلاعب بنوعية السلع وتخزينها وسلامتها. ولا يشمل ذلك بالطبع ما يذهب اليه بيان الوزير في تحديد أسعار السلع وهوامش ارباحهم فانه بمثل هذا المنطق (منطق تحديد أسعار سلع يتم تداولها في أواق تنافسية) يفتح الباب لتحديد أسعار جميع السلع، وذلك أمر خاطئ وغير مجد وقد توصلت التجربة العالمية الى جدوى ترك تنافسية الأسواق لتقوم بهذا العمل بعد أن ثبت وعلى مدى سنين وفي مختلف بقاع الأرض خطل التحكمية وسياسات تحديد الاسعار. وثبت أن التنافس لن يوفر أحسن الأسعار فحسب ولكنه يؤدي الى قفل أبواب الفساد وديمومة العرض والابداع في تطوير النتاج وتطويره دون الحاجة الى تدخل الدولة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.