(كلام عابر)

 

أخيرا تمكنت من الحصول على نسخة من مذكرات الأستاذ ابراهيم منعم منصور الوزير الشهير في زمان النميري.جاءت الطبعة الثانية 2018 الصادرة من مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية في ثلاثة أجزاء وفي أكثر من 1200 صفحة من القطع المتوسط. الكتاب سياحة مرهقة وممتعة في نفس الوقت تناول الأسرة والجغرافيا والتاريخ الاجتماعي والسياسي وحركة المجتمع من حوله في مسيرة حياته. يعود تاريخ مولده 

لأول يناير 1933 شأنه في ذلك شأن معظم حملة شهادات التسنين. حكى لنا ذكرياته في صقع الجمل وغبيش وود بندة والنهود في ديار حمر، واستعرض مجتمعه الصغير والإدارة الاهلية في المنطقة والعادات واليتم الذي عرفه مبكرا،ثم انتقل لدراسة المرحلة المتوسطة في مدرسة الدويم الريفية وانتقل منها لمدرسة حنتوب الثانوية ثم جامعة الإسكندرية التي درس فيها الاقتصاد.
كانت بداية حياته العملية بعد التخرج وظيفة سكرتير وزير المالية المرحوم حماد توفيق،وهي وظيفة لا أعتقد أن بوسع مبتديء أن يفكر في شغلها بلا مظلة مجتمعية وإرث قبلي فالكاتب ابن ناظر عموم الحمر الشيخ منعم منصور. انتقل للعمل بعد ذلك في وزارة التجارة 1958 وذكر الكاتب أن زميله السيد أحمد بدري أزيح من وظيفته في قسم الإنشاء والتعمير ونقل لقسم آخر في وزارة التجارة ليشغل وظيفته السيد الصادق المهدي الذي عاد حديثا من انجلترا ولكنه،أي الصدق المهدي،ما لبث أن استقال من وظيفته عقب انقلاب 17 نوفمبر 1958 ليتفرغ للعمل الاقتصادي في دائرة المهدي والعمل السياسي في حزب الأمة(الإثنان يتبعان لإدارة واحدة).
انتقل من العمل الحكومي للعمل في القطاع الخاص الذي كان العمل فيه مغامرة حقيقية حسب السائد في المجتمع السوداني.عمل في شركات ومصانع الدكتور خليل عثمان وتدرج فيها ليصبح الرجل الثاني في المجموعة العملاقة بعد مالكها. ثم اجتذبه نظام 25 مايو فتقلب في الوزارات على فترات متباعدة 1971-1975 حيث كان وزيرا لوزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية،الاقتصاد والتجارة ،المالية والاقتصاد الوطني وفي كل مرة تتم إقالته من الوزارة بصلف نميري المعروف.كان نميري لا يقبل ولا يسمح لوزرائه بالاستقالات.المؤلف تقدم باستقالته في مرة من المرات ووزعها على بعض الناس لكن نميري رفض استقالته وأعفاه من الوزارة.
روى المؤلف واقعة طريفة عن التحضير لانقلاب 25 مايو 1969، عندما اعترضت قيادة الجيش على إجراء تدريبات في شهر مايو بسبب ارتفاع درجة حرارة الطقس. تدخل رئيس الوزراء محمد احمد محجوب فاتصل بالفريق محمد أحمد الخواض القائد العام بناء على طلب يقال أنه من قريبيه الرائد أبوالقاسم محمد ابراهيم والرائد أبوالقاسم هاشم ليتركهم يتدربون في هجير مايو لأن الحرب إذا جاءت لن تختار لهم شهرا في الربيع.المعروف أن القوة المنفذة لإنقلاب 25 مايو تحركت من ذات موقع التدريب خارج ام درمان.
تناول باستفاضة المصالحة بين نظام نميري والجبهة الوطنية والتي انتهت باتفاق الصادق المهدي مع النظام 1977وقال،حسب معايشته للأحداث، أن الشريف حسين الهندي "كان من أشد أنصار الوصول إلى وفاق ولكن على أسس سياسية وبضمان دولي أو قل إقليمي" بدلا من الهرولة غير المدروسة فقد كانت تتم اتصالات من وراء ظهره وأريد له أن يلحق بالمصالحة كأمر واقع. الإتفاق الذي تم في لندن بين الشريف وابوالقاسم هاشم رئيس مجلس الشعب آنذاك وعزالدين السيد من جانب النظام كان كما يرى الكاتب لتامين أنصار الشريف بالداخل إذ أصبحوا بعد مصالحة الصادق مع النظام الوحيدون،إلى جانب الحزب الشيوعي المختفي تحت الأرض، البارزون على السطح والمعروفون أشخاصا وأماكن إقامة وعملا. في ذات السياق ذكر أن المعارضة قد حددت عمر محمد الطيب بديلا لمحمد نور سعد قائدا لقوات المعارضة التي غزت الخرطوم في 1976 دون تقديم أدلة على ذلك،ومن جهة اخرى ذكر أن عمر محمد الطيب كان يعارض نميري "بأسلوب هاديء وبالطريقة التي تجعل الرئيس يعتقد أنه يؤيده ولا يتفوق عليه في هذا إلا الدكتور بهاء الدين محمد ادريس." المهم أن جبهة الميثاق الإسلامي تركت المجادلة لغيرها وأخذت تتغلغل في صمت وبنشاط شديد في كل مفاصل النظام فكانت هي الرابح الأكبر بل الوحيد من المصالحة.
يرصد المؤلف قائمة طويلة من الفرص الضائعة في السودان منذ فجر الاستقلال والتي أجهضت بسبب الغيرة السياسية،الإنتماء العقائدي، سوء التقدير، الصراع داخل الخدمة المدنية، أو مزاجات البشر. بعض هذه الفرص الضائعة هي عرض أمريكي بإنشاء مزارع لتربية الضأن والأبقار في دارفور على أسس حديثة وتجهيزها للتصدير لقبرص عبر مطار يتم تشييده في المشروع 1957-1958 ، عرض نرويجي بتشييد دار حديثة للوثائق، عرض إيراني لإنشاء خزان سيتيت وزراعة فول الصويا وتربية وتسمين الضأن ،عرض من شركة سويسرية 1957 لإنشاء مصنع لإنتاج الورق من البردي وأعشاب النيل،عرض شركة توتال لتشييد طريق الخرطوم عطبرة بورتسودان، منصب رئيس الهبئة العربية للاستثمار الذي اختير له محمد داؤد الخليفة لكن النظام رشح عثمان حاكم، منصب أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي الذي رشحت الدول له خليفة عباس العبيد لكن السودان لم يسعى لترشيحه، مشروع وساطة اللواء احمد عبدالوهاب بيبن الهادي المهدي والنظام، وغير ذلك من الفرص الضائعة واتفاقيات السلام التي كانت ستغير وجه الحياة في السودان.لم يتطرق الكاتب لاتفاقية الميرغني قرنق كأكبر فرصة ضائعة وأكبر جريمة ارتكبها انقلابيو 30يونيو1989.
في الفرص الضائعة ذكر المؤلف واقعة المرحوم السيد محمد ميرغني وزير الخارجية حينما شارك في اجتماع للجامعة العربية في مقرها الجديد في تونس، حيث هاجم بعضهم الدول التي لا توفي بالتزاماتها المالية وتود أن يكون لها صوت في ادارة شؤون الجامعة والاستفادة من أجهزتها وطالب المتحدث بتطبيق ميثاق الجامعة على الدول المقصرة بتجميد عضويتها.قال محمد ميرغني أن الحديث موجه للصومال واليمن الجنوبي واليمن الشمالي وموريتانيا والسودان. أنه نوبي وأن والده تعلم اللغة العربية لكي يكسب عيشه لا أكثر أما والدته فما تزال تجهل العربية. غالبية أهل السودان في الشمال والشرق والغرب والجنوب ليسوا عربا وهناك قبائل في وسط نهر النيل قادت السودان وأدخلته الجامعة العربية ظنا منها أنها مؤسسة ذات رسالة لتوحيد العرب في التحرير والتنمية والمصير، وبهذا المفهوم أرسل السودان جنوده للدفاع عن الكويت وعن مصر وكان في بدايات القرن العشرين يرسل كسوة سنوية للكعبة وزكاة أموال للحجاز، أما الآن،والحديث لا يزال لمحمد ميرغني، فقد أصبحت العلاقة بين البلاد العربية أشبه بالشركة المساهمة ومن لا يدفع في الوقت المناسب يفقد وضعه في الشركة.ثم أعلن إنسحاب السودان من الجامعة العربية.سألوه إن كان هذا موقف شخصي أم رؤية الحكومة السودانيةنفقال لهم إنه رأيه الشخصي وراي حكومة السودان، واتبع القول بالفعل فغادر قاعة الاجتماعات يتبعه الوفد السوداني. لحقوا به في رفته في الفندق واعتذروا فعاد للإجتماع تحت ضغط الاعتذارات والرجاءات . عندما عرض هذا الموضوع فيما بعد في مجلس الوزراء طرح نميري سؤالا:رجعت ليه؟ ربما كانت الفرصة الضائعة التي يعنيها المؤلف هنا هي التخلص من عضوية الجامعة العربية.
كان المؤلف كريما مع كل الأنظمة العسكرية التي حكمت السودان فوزع لقب الثورة عليها بسخاء شديد وكان يقول ثورة 17 نوفمبر 1958 وثورة مايو 1969 وثورة الإنقاذ 1989 ، ولكنه لم يخف تأييده لنظام مايو الانقلابي فوصف (الإستفتاء) الذي أجراه نميري على نفسه(المرشح الوحيد لرئاسة الدمهورية) بقوله" التأييد الذي فاق 90% في الاستفتاء كان تأييدا صادقا دون ترغيب او ترهيب أو تزوير". ولم يفت عليه ان يشيد بالإتحاد الإشتراكي (الحزب الحاكم والوحيد في زمن نميري) فقال أنه،أي الاتحاد الاشتراكي، "جمع كل السودانيين في الشمال والجنوب،ولو قدر لهذه التجربة أن تستمر لكان هناك وضع سياسي مختلف حتى بعد الانتفاضة." ورغم الفوضى والخراب الذي ألحقه جعفر بخيت بمنظومة الحكم المحلي في السودان والذي ما تزال الجهود جارية لتصحيحه، فلم يجد الملف في نفسه حرجا من أن يقول أن جعفر بخيت " زرع في الريف السوداني بل وأنبت فيه بذرة الديمقراطية من خلال لجان ومجالس الحكم والتعاون تعلم المواطن العادي سياسة شؤون الدولة حتى أنتج (أي جعفر بخيت) المواطن السوداني الفصيح الواعي".(!!!) لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لم يتحرج المؤلف من الوقوف عند مجالس المريسة أيام الصبا والقعدات بصدق شديد، وذكر في موقع ىخر أن كادرا إسلاميا حمل السلاح وحرس الكباري عشية 30 يونيو 1989 دعاه لقعدة شربوت ملمحا ،أي الكادر الإسلامي، أن القرآن يجعل المسلم يكره الخمر ولكن لم ترد فيه كلمة تحريم وأن الكبائر والسبع الموبقات لم تشمل الخمر.
تعرض المؤلف للمضايقات التي تعرض لها هو وابنه محمد في السوق وقال إنه "لابد في الأعمال من كفيل يلتحي أو يمسك بمسبحة قصيرة العدد".وحرص على البعد عن أي مشاركة مع نظام الإنقاذ " رأيت أن أكون بعيدا عن الدخول في أي حكم يتخذ من الدين دثارا له ثم لا يلبثون أن يجعلوا من الدثار الواسع وفي أمور الدنيا ثوبا أضيق عليهم هم انفسهم ناهيك عن الآخرين و ثم ينسبون ذلك إلى الله عز وجل". ولكن رغم هذا التمنع خاض الأستاذ إبراهيم منعم منصور تجربة التعاون مع نظام الإنقاذ رئيسا لمفوضية تخصيص ومراقبة الإيردات المالية حيث تم تعيينه بقرار جمهوري في نوفمبر 2005 ولكنه أعفي من منصبه بعد كثير من التهميش والمضايقة.كان الإعفاء بطريقة مذلة إذ أن الخبر نقله له بكري حسن صالح هاتفيا في يوليو 2007 قبل أن يأتيه خطاب الإعفاء الرسمي. يقيني أن هذه المشاركة ،مهما كانت مبرراتها، خصمت كثيرا من المؤلف.
ذكر المؤلف أن" أي معادلة سياسية لا يكون الجيش طرفا فيها سيكون مصيرها الفشل فالجيش ليس سلاح ومجنزرات ومركبات بل هو في المقام الأول والأخير بشر-بني آدم يعيشون كل ظروف ومشكلات البلاد ولن يكون الفطام دفعة واحدة بقرار من السياسيين.ادخال الجيش في معادلة سياسية قومية وليست حزبية يتم الفطام تدريجيا في سنوات يتربى خلالها جيل جديد من العساكر بعيدا عن الفكر الانقلابي". ولعله سيكون من المثير الإطلاع على رؤية الملف للوضع السياسي بعد سقوط نظام الإنقاذ،أو ثورة 30 يونيو 1989م كما يسميها في مذكراته، وتقويمه لقياداته ومن بينها نافع علي نافع الذي ألحق بإسمه في مذكراته دعاء- حفظه الله- لأن المؤلف كتب المؤلف هذه المذكرات قبل سنوات من سقوط ، ولربما لم يمكنه المناخ القائم آنذاك من طرح رؤى أكثر صراحة.
على كل يحمد للمؤلف كتابة مذكراته من حيث المبدأ لأن كل قياداتنا السياسية والمجتمعية المؤثرة في حياتنا لم تكتب مذكراتها فاختفت برحيلهم حقائق ومعلومات هي من حق الوطن وأجياله الحالية والقادمة،كما يحمد له أنه لم يحاول أن يسبغ على نفسه بطولات في مواجهة نميري الباطش الغارق في جنون السلطة. كما كان المؤلف منحازا لبعض شخصيات مذكراته أو ضدها وهو أمر منطقي لأنه بشر من مشاعر ولحم ودم وليس إنسانا آليا.
في النهاية هذه السطور هي محاولة للإمساك باكثر من 1200 صفحة واختصارها في هذا الحيز الضيق، مع الدعوات للاستاذ ابراهيم منعم منصور بدوام الصحة والعافية.
(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.