د. محمد عبد الحميد/ استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

أثبت فيروس كرونا من حيث سرعة انتشاره ومداه الجغرافي ، انه فيروس عولمي بحق. فبعد ضربه لمنطقة أوهان بالصين، توسعت رقعة انتشاره وسرعته بحيث بات يشكل هاجسا كونيا ، ولربما لعب نفس الدور الذي كانت تلعبه الأوبئة التي كانت يضطلع بمهمة خفض وتيرة التنامي السكاني الذي يتزايد - بحسب نظرية مالتوس - بمتوالية هندسية مقابل زيادة الغذاء بمتوالية عددية. أو ربما ينحسر الفيروس من تلقاء نفسه، لكنه بذات المستوي ربما لا يلبث أن يعود بطريقة أكثر مخادعة وتطوراً و شراسةً من النسخة المستجدة التي يشهدها العالم الآن. 

من الواضح ان حالة انتشار هذا الفيروس ومن مكنون(كرمه) العولمي. وفوق قدرته المذهلة علي زلزلة كيان الجسم البشري، وإصابته في مقتل ، كذلك لديه القدرة على إصابة مكامن الوجع لمراكز رأس المال الاقتصادي وأسواق المال العالمية التي تهاوت تحت وطأة تأثيره بدرجة ربما تفوق كل الهزات والأزمات المالية التي شهدها العالم مؤخرا ، وترجح بعض التقديرات أن الخسائر المالية الحالية التي سجلها الفيروس عمليا قد فاقت خسائر العام 2008م. فإذا كان ذلك شأن مراكز رأس المال الكوني فما بال القطاعات الهشة التي تعتمد في حياتها علي مداخيل يومية بالكاد تفي بالاحتياجات الاسياسية للبقاء علي قيد الحياة؟!.
ربما يبدو منطق هذا المقال متشائماً و لايبعث علي الطمأنينة، لكنه تشاؤم له منطقه الذاتي لجهة أن الفيروس كخطر Hazard لم يتم التعرف عليه عن قرب لأنه مستجد، ولم يتم اكتشاف لقاح له حتي بعد بلوغه ذروة أثره انتشارا و تأثيراً. وهو بهذا المعني قد دخل عمليا في مرحلة صار معها كارثة حقيقية. فالكارثة في تعريفها العلمي(هي حدث ناتج عن خطر أما طبيعي أو من صنع الإنسان يخلق اضطرابا عميقا في مجري الحياة الطبيعية المعتادة ، و يفوق قدرة المجتمع للتصدي له بموجب قدراته الذاتية). والحق أنه ومع غموض أطوار الفيروس وعدم وجود لقاح، إلا أن البشرية في خبرتها التاريخية المتراكمة مع الأوبئة والأمراض الناتجة عن الكائنات الحية الدقيقة ليست خلواً من بعض الإجراءات التي يمكن من خلالها أن تقلل من مخاطر هذا الخطر. فقد تعامل العالم مع كوارث من أخطار بيولوجية أهلكت الكثير من النسل في أوربا بعد انتشار الطاعون الأول First plague في العام 1374م دون أن تستسلم له ، كما أنها استنفرت معارف وإجراءات حمائية حادة في وجه الموجة الثانية من الطاعون الذي ضرب شمال إيطاليا في العام 1450 ، وهو العام الذي شكل نقلة كبيرة في مجال العزل والحجر الصحي مازالت قائمة حتي الآن أُدرجت مجملها في خمس خطوات 1- تحديد انتقال البشر بإستخدام الحجر الصحي. 2- دفن إجباري للموتى في حفر خاصة وتغطيتها بالجير الحي والتخلص من المتعلقات الشخصية. 3- عزل المرضي بالطاعون في مستشفيات الأمراض المعدية. 4- فرض ضرائب من قبل الوحدات المحلية لتقديم خدمات صحية. 5- تقديم المعونة لهؤلاء الذين تضررت حياتهم من الوباء. (المصدر: تاريخ الأوبئة- المرض والقوة والامبريالية. تأليف شلدون واتس. ترجمة وتقديم أحمد محمود عبد الجواد. ص 24). ربما استمدت معظم إجراءات الحجر المتبعة حاليا من ذات التجربة الإنسانية المتراكمة في خطواتها الخمس المذكورة أعلاه ولعل أكثر ما يهم موضوع هذا المقال هنا النقطة الأخيرة القاضية بضرورة تقديم المعونة لمن تضررت حياتهم جراء الوباء.
إن كان للتاريخ أن يسجل التغيرات الديموغرافية لولاية الخرطوم أو أي مدينة كبري في السودان، ينبغي ألا تغفل مباضع تحليله عن تشريح ابعاد الكوارث وانعكاساتها علي التركيبة الديموغرافية. خاصة الحروب والنزاعات وموجات الجفاف والتصحر علي اقل تقدير منذ العام 1984م وما تبع ذلك من نزوح توالى علي المدن الكبرى في السودان. وقد يكون للحروب الأهلية في الأطراف المهمشة الأثر الاكبر في الحراك السكاني الذي أحاط العاصمة بمجموعات بشرية كانت آمنة في مواطنها الأصلية ، جاءت تبحث عن الأمن والسلام في محيط المدن ولو علي حساب نوعية الحياة التي تعيشها ، وهي بالتأكيد حياة ملؤها الرهق والمعاناة في ظل غياب متعمد من الدولة كراعي وحارس لمصالح هذه الفئات. وقد كان انعكاس ذلك بشكل أكثر وضوحا علي فئة النساء اللائي وقع عليهن عبء إدارة شؤون الأسرة في ظل غياب المعيل الذكر Male bread winner إما بسبب الوفاة أو الهروب من الأسرة( أبونا فزة). لذلك وجد العديد من النساء أنفسهن يلعبن أدوار مزدوجة - تربية الأبناء واعالة الأسرة بكسب المعيشة - ضمن ظروف وقدرات مهارات وأوضاع تعليمية معدومة. لذلك اتجه معظم هؤلاء النسوة لإحتراف بيع الاطعمة و الشاي في الطرقات الرئيسة والأسواق. وقد ابدين في هذه المكابدة الوجودية قدرات خارقة علي الصمود Outstanding Resilience في بيئة سياسية وثقافية وقانونية لم تكن مرحبة بوجودهن خارج منازلهن علي الإطلاق (إبان عهد الانقاذ).
مهما يكن من أمر، ومع بروز فيروس كرونا وما اضحي يمثله من جائحة ، سيجد معظم هؤلاء النسوة أنفسهن -إما مجبرات أو طواعية - محرومات من الاستمرار في ممارسة هذه المهنة غير المحمية، بسبب إجراءات الحجر والعزل الرسمي أو الذاتي- أحجام الزبائن عن تناول الشاي والأطعمة من ايديهن - وبالتالي ستكون النتيجة فقدان وسائل سبل كسب عيشهن والذي هو في الأصل كان نتيجة حالة تكيف مع أوضاع شاذة. أو بشكل أكثر دقة، كان نوع مما يُسمي في أدبيات علوم الكوارث Coping Strategies وهي في مجملها استجابة مؤقتة لتعويض نقص الغذاء أو انعدام الأمن الغذائي Food Insecurity ضمن ظروف ملحة.... لذلك والحالة هكذا لابد وأن يتم الإنتباه لهذه الشريحة في ظل كل الإجراءات القاسية التي سيفرضها فيروس كرونا من أن يجد هؤلاء النسوة المتضررات التعويض المناسب عن فقدان وسائل سبل كسب معيشتهن، ليس فقط من الدولة وإنما أيضاً من المجتمع المدني العريض ، لاسيما من القطاع الخاص وشركات تجارة الشاي وهو قطاع غني وقد راكم أرباحا مهولة من هؤلاء النسوة الائي يعتبرن زبائن يحركن هذه التجارة بوصفهن المستهلك رقم واحد لمنتجات هذه الشركات بمختلف ماركاتها واسمائها وما أكثرها. إن تعويض هؤلاء النسوة من قبل هذه الشركات يمكن أن يكون ضمن مسؤوليتهم المجتمعية لحماية فئة هشة وجدت او ستجد نفسها بفعل جائحة كرونا محرومة ولو بشكل مؤقت من مصادر دخلها اليومي الذي عليه تقتات وعليه تنشأ أبناءها وبه تحافظ علي شرفها وعلي جل النسيج الاجتماعي.
د. محمد عبد الحميد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.