حاولت في هذا المقال، الموجه لغير القانونيين، أن ألقي بعض الضوء على الفروق بين ثلاث من المحاكم الدولية واختصاص وسلطات كل منها مع بعض التوضيح وإزالة ما قد يلتبس من أمور على غير العاملين في الحقل القانوني، حتى يتسنى لهم ما يرد كثيرا هذه الأيام من أخبار وتقرير في الصحف السيارة وغيرها من الوسائط الاعلامية بشأن مطالبات بنقل بعض الرؤساء والمسؤولين السابقين المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية أو جرائم ضد الانسانية لهذه المحاكم.
أود في البداية أن أوضح للقارئ أن الفرق بين محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية والمحاكم الجنائية الدولية الخاصة
هو أن محكمة العدل الدولية هي محكمة دولية أنشئت بموجب النظام الأساسي الملحق بميثاق الأمم المتحدة وهو جزء من الميثاق ومكمل له وبالتالي يعتبر جميع أعضاء الأمم المتحدة بحكم عضويتهم أطرافاً في النظام الأساسي لهذه المحكمة .
وهي، أي ، محكمة العدل الدولية لا تنظر في النزاعات الا تلك التي تنشأ بين الدول المستقلة وبشرط قبول طرفي الدعوى باختصاص المحكمة للنظر في الدعوى بينهما ( الدولة المدعية والدولة المدعى عليها) وذلك يحدث بأن تكون كلتا الدولتين قد وافقتا على اختصاص المحكمة في الدعوى الماثلة أو أن تكون كلتاهما قد وقعتا على اعلان الاختصاص الالزامي للمحكمة بموجب الفقرة الثانية من المادة 36 من النظام الأساسي للمحكمة أي الموافقة السابقة لنشوء النزاع، أو ان تشتمل معاهدة دولية متعددة الأطراف أو اي اتفاقية جماعية أو ثنائية على الاختصاص الالزامي بإحالة اي نزاع الى المحكمة. وفي كل الاحوال فان عنصر الرضا بقبول اختصاص المحكمة سواء كان سابقاً لنشوء النزاع ام لاحقاً له لا بد منه، وذلك نابع من مبدأ سيادة وحصانة الدول المستقلة.
كما أن لمحكمة العدل الدولية اختصاص آخر وهو تقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها اليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
تنظر محكمة العدل الدولية في النزاعات الدولية كقضايا الحدود البرية والبحرية بين الدول و تفسير وتطبيق المعاهدات والاتفاقيات الدولية اذا حدث نزاع في التفسير والتطبيق وما الى ذلك من النزاعات الدولية .
ولا يسمح للأفراد والشركات والهيئات برفع قضاياهم امام المحكمة للفصل فيها الا اذا تبنت دولهم قضاياهم عملاً بمبدأ الحماية الدبلوماسية.
كما انه ليس لمحكمة العدل الدولية اختصاص جنائي لمحاكمة الأفراد والأشخاص الطبيعيين على الاطلاق، ولا ينص نظامها الأساسي على جرائم أو عقوبات. ولكن يجوز للدول الأعضاء في اي معاهدة او اتفاقية تتعلق بمنع وقمع جرائم جنائية دولية أن يرفعوا خلافهم في تفسير او تطبيق تلك المعاهدة أو الاتفاقية عند الموافقة فيما بينهم على الاحالة لتلك المحكمة.
ومن أمثلة ذلك طلب غامبيا المقدم في 11 نوفمبر 2019 بدعوى ان انتهاكات جيش ميانمار في ولاية راخين ضد الروهينغا تخرق اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية ( اتفاقية الابادة الجماعية).
فاذا اصدرت محكمة العدل الدولية حكماً نهائياً قضى بحدوث خرق لاتفاقية الابادة الجماعية من قبل ميانمار ،على سبيل المثال، فلا سلطة ولا صلاحية لها بإنزال اي عقوبة على من ارتكب الابادة الجماعية لان نظامها الاساسي لا يعطيها تلك السلطات والصلاحيات العقابية وانما ترفع الدولة المحكوم لها قرار المحكمة بالخرق الى مجلس الأمن والذي له الصلاحية بموجب المادة 94 (2) من النظام الاساسي للمحكمة ان يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ قرار المحكمة، كما هو الشأن في حكمها في اي دعوى بين دولتين اذا رفضت الدولة المحكوم عليها تنفيذ ذلك الحكم.
اما محكمة الجنايات الدولية فهي قد أنشئت بموجب معاهدة روما ولنا أن نسميه نظام روما أو النظام الأساسي للمحكمة الذي اعتمد في يوم 17 يوليو عام 1998 ودخل حيز النفاذ عام 2002، فهو معاهدة دولية ملزمة للأطراف الموقعة والمصادقة عليه والذي ينبغي الا يلزم الدول غير الموقعة والمصادقة وذلك عملاً باتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 .
وهي محكمة دولية تحاكم أشخاصاً طبيعيين أي أفراد وليس منظمات أو حكومات و تنظر في جرائم محددة بموجب نظامها الأساسي وهي أشد الجرائم وحشية وضراوة والتي ترتكب بحق الانسانية وتكون موضع اهتمام المجتمع الدولي و يهتز لها ضمير الانسانية، وهي أربع جرائم وردت على سبيل الحصر في المادة (5) من نظامها الأساسي وهي ، جريمة الابادة الجماعية، والجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان بالشروط والتفاصيل الواردة في النظام الاساسي للمحكمة ولا يتسع المجال لسردها.
كما أن هذه المحكمة لا توقع عقوبة الاعدام وفقاً لنظامها الأساسي.
ومن كذلك من المحاكم الجنائية الدولية ،المحاكم الجنائية الخاصة التي أنشئت بموجب قرارات من مجلس الأمن وهي محاكم جنائية خاصة ،
Ad hoc criminal tribunals اي ان كل منها قد أنشئ بغرض النظر في قضية واحدة محددة بعينها منها المحكمة الجنائية الخاصة لرواندا التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 955 في 8 نوفمبر 1994 لمقاضاة الأفراد المسؤولين عن الابادة الجماعية ووضع مجلس الأمن السجن المؤبد كأقصى عقوبة توقعها المحكمة كما حدد مجلس الأمن نظامها الأساسي.
ومن المحاكم الجنائية الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن بموجب قرار منه، المحكمة الجنائية الدولية للنظر في جرائم الحرب التي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة لمحاكمة الأفراد المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب وقد أنشأها مجلس الأمن بموجب قراره رقم 827 الصادر في 25 مايو 1993.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.