منذ عام ١٩٧٢ شهد الصومال صراعات سياسية إتخذت المجتمع الأهلي كوقود لها، وبالمحصلة شارك فيها رجال المال، كفئة إجتماعية فاعلة إنخراطت بدورها في تمويل الممارسة السياسية والعسكرية، التي تصدرتها تنظيمات سياسية أو شخصيات ظلت جزء من النظام الحاكم، ليس ذلك فحسب، فالمال السياسي الذي كان يلعب دورا لتقويض الحكم، لم يكن محصورا على الداخل، بل كان عابرا للحدود السياسية وقادما من جمهورية جيبوتي، ونموذج لذلك إبراهيم عبدي كاهين(ظيري).

وفي تجربة الحركة الإسحاقية التي عرفت بالحركة الوطنية الصومالية، ساهم عدد كبير من رجال الأعمال في دعم التنظيم منذ بداياته الأولى، وعلى السياق ذاته دعم مؤتمر الهويي والذي عرف بالمؤتمر الصومالي الموحد، من قبل رجال المال، والمفارقة أن هؤلاء كان البعض منهم قريبا من السلطة السياسية ذاتها، وكانوا من المنتفعين المباشرين منها، مثال الحاج جيردى حسين،حاشي وهليه،علي مهدي محمد،عثمان حسن علي(عاتو)، هذه المجموعة كانت من المرتبطين بالنظام الحاكم.ومبرر سعيهم لإسقاط الحكومة تراوح ما بين النعرة القبلية وحسابات سياسية، إلا أن ما هو مؤكد أنهم كانوا من المجاميع التي كانت قريبة من السلطة وانتفعت منها بصورة مباشرة.

فالحاج جيردى حسين، والد زوجة وزير الخارجية ونائب رئيس البرلمان السابق عمر عرتا غالب، والذي أصبح نافذا بحكم صلته بالأخير وبماله " حدث في سنوات السبعينيات أن أشترى بار صوفي-Bar Sovoy الواقع في وسط مقديشو، بالاتجاه الشرقي ملتصق بمبنى بمكتب تسجيل السيارات ومنح رخص القيادة، والذي كان يسمى مصلحة تسجيل السيارات PRA.رجل الأعمال جيردى حسين، أحب أن يشتري من الدولة ذلك المبنى القبيح.وقد توسط عمر عرتا لدى الرئيس سياد بري، والذي أمر في الحال بأن يبنى لمصلحة تسجيل السيارات خمسة طوابق لدى مبنى وزارة المالية". عبدالقادر أورومو، الله يرحم الرئيس محمد سياد بري - استوعب هذه الواقعة،٢٠ مايو ٢٠١٧،Ruugcadaa.com(١)
لقد رفض الطلب فالرئيس رأى أن وزيره يمارس المحسوبية خدمتا لقريبه، ولحيازة أملاك الدولة.

أما علي مهدي محمد، إنتقل من منصب نائب في البرلمان الذي تم حله في عام ١٩٦٩، إلى موظف في وزارة الصحة وصولا إلى عام ١٩٧٧ حينما غادرها وهو في منصب وكيل الوزارة، كما ورد في منشور في الويكيبيديا، والمفارقة أن من بلغ ذلك المنصب، سمح لشركات أجنبية بدفن مخلفات سامة في السواحل الصومالية خلال فترة رئاسته الإنتقالية، وفيما ما مضى كان من ذوي الحظوة والقريبين من مساعد الرئيس حسين كلميه أفرح، ممن نالوا القروض والتسهيلات التجارية والجمركية، وعلى خلفية ذلك أفتتح فندق مكة المكرمة في مقديشو عام ١٩٨٥، لقد كان جزء من معادلة تحالف المال والسلطة لتأمين العاصمة، والذي أتضح أن فضه من طرف قد بدأ مبكرا، حيث كان يمول مؤتمر الهويي الموحد، وتصدر المجموعة التي عملت داخل مقديشو، كما ذكر إيسلو طاهر سوعدال بتاريخ ٢٢ فبراير ٢٠٢٠ في تسجيل مباشر له على صفحته في الفيسبوك.

وبدوره أصبح عثمان حسن علي(عاتو)، صاحب عقد رعاية معدات شركة كونوكو البترولية الأمريكية والمشرف على عمالها في حقل هول هول بمحافظة صول، داعما للجنرال محمد فارح عيديد، ومجاميع أخرى من رجال أعمال منحدرين من عشيرة سعد من قبيلة هبرجيدير، واستمر عاتو داعما للجنرال عيديد وصولا إلى عام ١٩٩٥، وأصبح مع إنهيار الدولة مسيطرا على الكثير من الآليات والمعدات والأراضي الزراعية التابعة لدولة، ناهيك عن أنه زرع فيها المخدرات والتي كان يصدرها إلى شرق افريقيا.

وساهم إبراهيم عبدي كاهن، بدور رئيسي في تمويل معارضة الحركة الإسحاقية منذ بداياتها، من مقر إقامته في جمهورية جيبوتي، والتي كان أحد مواطنيها ورجل أعمالها الأبرز، ورغم ذلك لم تشكل ممارسته حرجا للحكومة الجيبوتية والتي تركته منغمس في نشاطه المضاد للحكومة الصومالية، والمتماشي مع سياسة جيبوتي تجاه الصومال، حيث شهدت العلاقات في عقد الثمانينيات حالة توثر بين الحكومتين.

وفي لقاء مع الرئيس السابق لدائرة الإمداد والتموين في الجيش الصومالي العميد حسن يوسف محمود، مع الإعلامي حسين دعاله، في برنامج Xusuus Reeb تسجيل الذاكرة، على Horn Cable TV, أكد على "أن الحاج جيردى حسين ورجال أعمال آخرين، كانوا جزء من عمل المعارضة، وأنهم كانوا ينسقون بشكل عام مع النخب الإسحاقية التي كانت متواجدة في مقديشو".(٢)
وبدوره ذكر الناشط إيسلو طاهر سوعدال، في تسجيل مرئي على صفحته في الفيسبوك بتاريخ ٢٢ فبراير ٢٠٢٠، "دور حاشي وهليه، ورجال أعمال آخرين منهم علي مهدي محمد،ميري انظيري، لإسقاط النظام".(٣)

وإذا ما توقفنا عند المكانة التجارية لكل من إبراهيم عبدي كاهن،جيردى حسين عبدي،حاشي وهليه، فالأول مثل رجل الأعمال الأول في جيبوتي، وأمثلك الكثير من العقارات في هذا البلد، وكان المصدر الأول للبضائع القادمة إلى شمال الصومال، بينما مثل الثاني رجل الأعمال الأول في الصومال، في حين أن الثالث كان قابضا على توكيل إستيراد السيارات وقطع الغيار من اليابان، ويستشف من ذلك أن مصالحهم كانت مرتبطة عضويا مع الصومال، وبحكم الحذر المعهود عن الرأسماليين فإن المنطق لم يكن يتقبل إنخراطهم في نشاطات سياسية مناوئة لحكومة تشرف على السوق الرئيسية التي مارسوا في إطارها نشاطهم الإقتصادي.

ورغم ذلك فالملحوظ أن الكثير من رجال الأعمال استخدموا أموالهم والمكاسب المادية التي حققوها من الدولة، لأجل إسقاطها، وبدورها فإن السلطة التي أشرفت مباشرتا على دعمهم، كانت تدرك طبيعة مشاريعهم السياسية، إلا أن أنها كانت تمارس التقية تجاههم، في حين أن اللواء محمد حاشي جاني، كان الوحيد الذي واجه رجال المال الداعمين للحركة الإسحاقية، رغم فضاضة ممارسته، والتي تراوحت ما بين النهب ومحاكمة مدنيين عسكريا، ولا شك أن القرار السياسي عاق إتخاذ إجراءات من قبل المؤسسات المعنية.

وقال إيسلو طاهر سوعدال في تسجيله المشار إليه "الرجال الذين كانوا يقرعون الطبول كان أكبرهم حاشي وهليه، في فندقه كانت الإجتماعات تعقد، هم الذين كانوا يملكون الاقتصاد وعرقلوه، وضعوا الأموال في بيوتهم، فلم تجد البنوك ما تعمل به وتصرفه لزبائن عند صرف شيكاتهم..".(٤)
هذه المجموعة التي تحدث عنها طاهر سوعدال، كانت تشمل نخبة رجال الأعمال الذين تم تدليلهم مم قبل النظام، وفي المحصلة فإن تلك الفئة لعبت دورا بارز في إنهيار الدولة الصومالية، والمفارقة أن السلطات لم تتخذ إجراء تجاههم، رغم أنهم كانوا يقوضون دورها، كما أن تلك الممارسات شكلت واقع معاناة للمواطنيين، ناهيك عن أن الكثيريين منهم فقدوا مداخراتهم بفعل التحايل على النظام المصرفي بدافع حسابات سياسية كان هدفها إسقاط الحكومة من قبل أقرب المنتفعين منها.

وهناك واقعة حملت رسالة سياسية لرجال الأعمال الذين حملهم الرئيس في طائرة لزيارة مدينة هرجيسا، بعد الدمار الذي كان قد أصابها من جراء حرب صيف عام ١٩٨٨، بين الحكومة والحركة الإسحاقية، فمغزى الرسالة كان لا تتورطوا في أعمال سياسية تسفر عن تدمير العاصمة مقديشو، أما توجيه الرسالة لهذه الفئة تحديدا، فمرده أمران، الأول أنهم كانوا أصحاب مصالح اقتصادية تجسدت في العاصمة وبتالي فإن الخطاب الموجه لهم حمل ضرورة الحفاظ على امتيازاتهم، المغزى الثاني كان تحذيريا وإشارة لتوقف عن التورط في دعم المعارضة السياسية، والإيحاء لهم بأن نتيجة ذلك هو الدمار الذي حل بمدن هرجيسا وبرعو.

لقد هادنتهم الحكومة حتى الرمق الأخير من عمرها وظلت على صلة مباشرة معهم، بدافع التقية ورغبة في تجنب الصدام معهم وذلك على خلفية كسب قبائلهم، وعند سقوطها أعلنوا عن أدوارهم السابقة والتي لم تكن خافية، واستمروا بعد سقوط الدولة الصومالية في ممارستهم التي قوضت الوحدة الوطنية واستقرار البلاد، وبدلا من يلعبوا أدوار البرجوازية الوطنية الحريصة على التنمية، تكللت حياتهم بجرائم ساهمت في تدمير الصومال.

أما بالنسبة لجبهة المجيرتين فرغم أنها شكلت كبيرهم الذي علمهم سحر السياسة، إلا أنها تميزت عن القوى السياسية الأخرى، فالعلاقة بين رجال أعمال القبيلة والجبهة إختلفت طبيعتها عن واقع أقرانهم، حيث أن الرقابة عليهم كانت كبيرة، ونتيجة لوجود دعم مادي كانت تناله من ليبيا، فإن الحاجة إلى دعم مادي من برجوازية القبيلة كان يمثل أمرا ثانوي، وبتالي فإن مال الدولة الصومالية لم يصل إلى الجبهة إلى في مرحلة استيعابها وعودتها من إثيوبيا، كما أن أكبر كتل دعم تمحورت في شخص عناصر مقيمة في شرق افريقيا ودول الخليج، وتعاطيهم كان في طور دعم محدود لبعض قادة التنظيم، في حين تم تحجيم فعالية برجوازية المجيرتين في داخل البلاد سياسيا وكان دورهم إستثنائي مقارنة مع أقرانهم من الهويي والإسحاق.

النتيجة أن دور البرجوازية الصومالية كان كبيرا على مستوى الساحة السياسية واستطاعت أن تقوض سلطة الدولة، وأن تستهدفها في مقتل وسمح بذلك موقعها القريب من الحكم، فكان إن شلت فعاليته سياسيا واقتصاديا، وعجلت من رحيله، إضافة إلا أنها لم تميز ما بين النظام والدولة، وهو ما دفعهم لإستخدام الوسائل الغير مشروعة والتي الحقت الضرر بالبلاد، لقد دمروا المجتمع الصومالي بقدراته المادية التي منحت لهم بصورة إمتيازات ودعم تجاري، ورغم أن الاعبين كثر، إلا أن المرور بشان تناولهم كان عابرا، إنها تجربة سياسية تتطلب التوقف عندها كثيرا وسبر أغوارها عميقا، ولا شك أن شهادة طاهر سوعدال والذي عاش التجربة بحكم مرافقته لأخيه العقيد بشير سوعدال، أحد أبرز القادة العسكريين لمؤتمر الهويي الموحد، والذي أسقط الدولة، يمثل مراجعة هامة بغض النظر عن الدوافع السياسية التي تقف ورائها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.