العدوان التركي على الأراضي السورية , بدخول قوات عسكرية تضم عتاد ثقيل من دبابات ومدرعات ومدفعية وناقلات أسلحة وجنود وغيرها وبأعداد كبيرة , يمثل مرحلة خطيرة تنذر بحرب شاملة بين البلدين , وتؤكد النوايا والأطماع التركية بالسيطرة على مناطق واسعة من الأراضي السورية , تحت حجة الإدعاء بإقامة مناطق آمنة يأوي إليها السوريون الهاربون من جحيم الحرب , ومنعهم من اجتياز الحدود التركية إلى الداخل التركي ووجوب منحهم الإقامة أو هروبهم إلى أوروبا , متحملين مشاق ومتاعب تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر , التي أو دت سابقا بحياة العديد منهم .
العواطف التي تبديها تركيا تجاه اللاجئين السوريين ليست نبيلة ولا صادقة , بل هي عواطف كاذبة , تخفي وراءها أطماعا حقيقية دأبت تركيا على ممارستها عبر السنين . فقد أخذت القوات العسكرية التركية التي عبرت الحدود مواقعها , وأخذت تتمركز وتتحصن وتقيم مراكز مراقبة , تحسبا لمعارك قد تنشب مع القوات العسكرية السورية , وما الإنذارات التي أرسلتها تركيا إلى الحكومة السورية بضرورة الإنسحاب إلى خلف حدود المناطق الآمنة التي حددتها إتفاقية سوشي الروسية , التي أخرجتها كل من إيران وتركيا وروسيا وبغياب أصحاب الأرص أنفسهم , إلا لرضوخ القوات السورية للأمر الواقع أو اللجوء إلى الحرب إذا لزم الأمر . وإن تم لها ذلك تكون تركيا قد استولت على مساحة واسعة من الأراضي السورية تقدر مساحتها ما يزيد عن 24000 كيلو مترا مربعا أي ما يزيد مرتين عن مساحة لبنان وحجم مساحة فلسطين تماما , أضف إلى ذلك مساحة لواء اسكندرون المحتل . ولا يمكن وصف ذلك إلا بالإحتلال لأراض شاسعة من دولة معترف بها دوليا ومؤسس للأمم المتحدة والجامعة العربية .
لكن السؤال الذي يطرح نفسه : كيف يتم لتركيا ذلك بوجود قوات روسية وإيرانية داخل التراب السوري داعمة للحكومة السورية في محاربة الإرهاب والقوى الظلامية والتطرف ؟
إن توافق الأضداد بل الأعداء واضح في هذا الإطار , فالعداء المستحكم بين التركي السني والإيراني الشيعي يمتد لنحو 1400 عام , لكن ذلك لن يفسد لغة المصالح وتقاسم المغانم فيما بينهما . فالطرفان يسعيان للتمدد والنفوذ والسيطرة والحصول على حصته من الكعكعة السورية دون أن يتنازل أحدهما عن كامل الكعكعكة للطرف الآخر , ثم التموضع داخل الأراضي السورية في مواجهة بعضيهما في حال نشوب نزاع مسلح , وهذا ليس مستبعدا بحكم الخلاف المذهبي بين الطرفين , وهذا يخيف تركيا كثيرا خاصة بعد النهج الإيراني بالإسراع في الحصول على ترسانة عسكرية كبيرة من صواريخ قصيرة المدى ومتوسطة وطويلة ومحاولتها مؤخرا إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء , ولهذا يحاول الطرفان الإلتقاء حول نقاط معينة عوضا عن فتح ملف الخنادق الذي ينجم عنه خسائر كبيرة بينما هما يسعيان للحصول على مكاسب كلاهما بحاجة ماسة إليها بسبب الظروف الحالية التي يمر بها البلدان . أما العلاقات التركية الروسية ليست مختلفة كثيرا عن التركية الإيرانية وإن اختلفت الملفات . فالعلاقات الإقتصادية بين أنقرة وموسكو في أحسن حالاتها بعد أن شعرت تركيا أن موسكو قد تستحوذ على معظم عقود إعادة البناء في سوريا فلجأت إلى شراء صفقة من الصواريخ الروسية إس 400 بعد الخلاف الذي نشب مع واشنطن حول صفقة الصواريخ لتوطد علاقاتها مع موسكو وبنفس الوقت تغض موسكو الطرف عن الأطماع التركية في الأراضي السورية ما دامت تلك الأراضي ليست أراض روسية , وكل ما فعلته روسيا أنها أرسلت وفدا إلى أنقرة لمناقشة المستجدات العسكرية دون أن تبدي حراكا ولو ضعيفا ضد العدوان التركي , ولكبح جماح ما قد يستجد بين البلدين . وهكذا يكون قد اجتمع الأضداد بل الأعداء على اتفاق يحدد مصالح كل بلد في أراض ليست له .
قد نتفهم الدور الروسي في سوريا للقضاء على التطرف والإرهاب , لكن ما لا يمكننا تفهمه هو الدعم الروسي للحكومة السورية في مواجهة التطرف وفي الوقت نفسه السكوت وغض الطرف عن العدوان التركي على سوريا , والتمدد الفارسي في صفوف المجتمع وتواجد مليشيات إيرانية مسلحة تنتهك كل المحرمات . وهنا يمكننا القول أن الجميع أي تركيا وروسيا وإيران جميعهم أعداء وليسوا أصدقاء .
إن تواجد القوات العسكرية التركية على الأراضي السورية لا يمكن وصفه إلا بالإحتلال , يجب مقاومته بكل السبل حتى إخراج آخر عسكري تركي أو إيراني أو روسي .
كل ذلك يجري في غياب رؤيا عربية واضحة لحماية الأمن القومي العربي بأيادي عربية وعقول عربية , ووضع استراتيجية مفعلة للأمن الإقتصادي والسياسي والأمني العربي .
للتواصل : 0434631501