أن العمل من أجل بناء تحالفات سياسية جديدة تستهدف الانتخابات قد بدأت بين القوى السياسية، إذا كانت القوى السياسية قد استقبلت العهد الجديد من خلال تحالف جديد يقوم علي ميثاق "إعلان الحرية و التغيير" بديلا للتحالفات السابقة " نداء السودان" و " قوى الاجماع الوطني" فالتحالف الجديد يبشر بمرحلة جديدة لها دلالتها السياسية، و أيضا تحديد مصالحها، فكل قوى تكيفها علي حسب رؤيتها الفكرية. و لكن هذا التحالف الجديد قد تطور بحكم أحداث الواقع، حيث تحكمه مصالح جديدة، هي " تسوية سياسية بين قحت و المجلس العسكري" هذه التسوية هي القاعدة التي تؤسس عليها الفترة الانتقالية، و أي تجاوز لها سوف يؤثر سلبا علي التحالف القائم. و قبل أن تكتمل الفترة الانتقالية هناك قوى تنظر لما بعد الفترة الانتقالية، بأعتبارها الفترة الأهم التي تنقل السلطة من شرعية ثورية إلي شرعية دستورية، الأمر الذي يدخل بعض القوى السياسية في أختبار، لذلك بدأ البحث عن تحالفات تتم قبل الانتخابات منذ الآن. رغم أن بعض القوى لا تريد أن تفصح عن ذلك، لكنها جارية علي قدم و ساق. و قبل الدخول في ذلك لابد من مقدمة مهمة جدا. 

عندما أقالت اللجنة الأمنية للنظام السابق البشير و أعلنت إنحيازها للثورة، بدأ الاستعداد لفترة جديدة في البلاد، كانت مجموعة الديمقراطيون الجدد " Ex communists" بقيادة الشفيع خضر و حاتم قطان ترتب في أوراقها و تجري أتصالاتها بأغلبية الذين كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي السوداني في كل من أوروبا و أمريكا و في دول الخليج، و حتى أنهم لم يستثنوا بعض الأعضاء داخل الحزب الشيوعي، هي العناصر التي تناصرهم في قضيتهم الفكرية السياسية، كان رهانهم مبني علي " One factor" أن يكون رئيس الوزراء القادم مؤيد لهم، لذلك استطاعوا تكوين لوبي من القوى الديمقراطية داخل مكونات الثورة، خاصة داخل تجمع المهنيين. أن يتم تعين رئيس مجلس الوزراء من مجموعتهم، إذا كان الدكتور عبد الله حمدوك أو غيره، علي شرط أن لا يكون التعين لشخصية تميل لقوى سياسية آخرى، و قد نجحوا في تقديم حمدوك من خلال سيطرتهم علي قيادات في الحراك الشعبي، و أيضا من خلال منظمات المجتمع المدني التي يسيطرون عليها، و استطاعوا أن يسوقوا إعلانهم. و بعد ترشيح حمدوك، كنت قد كتبت مقالا بعنون " الديمقراطيون الجدد في السودان و مآلات التغيير" أوضحت فيه القوى التي تسيطر الآن علي الشارع و تتحكم في الجهاز التنفيذي.
كان الزملاء في الحزب الشيوعي يراقبون الوضع، و لأول مرة يحاولون الإمساك بأطراف القضية لكنهم فشلوا في ذلك، كانوا يعتقدون هناك مؤامرة ضدهم من قبل تحالف "نداء السودان" و هم الذين كانوا وراء استنهاض الديمقراطيون الجدد لكي يتم العبور بهم دون الحزب الشيوعي. لذلك أرادوا أن يحرقوا قيادات داخل نداء السودان من خلال بياناتهم " اتهموا فيه "مريم المهدي و عمر الدقير" بأنهم سرقوا منبر تحالف قحت ثم ظهرت شائعات عن استلام أموال من دولة الأمارات العربية المتحدة. ثم طالبوا عمر الدقير أن يوقع معهم اتفاق تنسيقي لتنفيذ شعارات الثورة، و وقع علي اتفاق، رغم أن الغرض كان تقييده و يوضح عدم الثقة. و عندما فشلوا في القبض علي خيوط اللعبة أصدروا قرارا من داخل اللجنة المركزية بعدم المشاركة في هياكل السلطة. لكن القرار كشف لهم أن الخطورة داخل الحزب و ليس خارجه، لآن القرار فاز بصوت واحد، هي نفس النتيجة التي تم به إبعاد الدكتور الشفيع خضر و حاتم قطان و زملائهم من الحزب، مما يؤكد أن هؤلاء ما يزالون يحتفظون بقوتهم داخل الحزب، و يمكن أن ينقلوا الصراع في أي وقت داخل الحزب ضد القيادة الاستالينية. و بعد أن تم تعين حمدوك و أدى القسم كرئيس لوزراء السودان لكي تبدأ المرحلة الدستورية. عين حاتم قطان مديرا لمكتبه ثم رفض تعيين مدني عباس مدني وزير لشؤون مجلس الوزراء، و عين عمر ونيس وزيرا لشؤون مجلس الوزراء و الوراق مدير المكتب الصحفي لرئيس الوزراء، و هي المجموعة التي تدير الشأن التنفيذي مناط به ترشيح قيادات العمل في الخدمة المدنية. و هي التي تدير أيضا عملية استقطاب الشيوعيين، بهدف التحضير لمعركة فاصلة داخل المؤسسة الحزبية.
يعمل الديمقراطيون الجدد بتكتيك عالي جدا في تمرير مشروعهم السياسي. و هؤلاء هم الذين كانوا وراء ترشيح الجمهوريين في العديد من المواقع و ليس ممثلهم الدكتور حيدر الصافي في قوى الحرية و التغيير، لأنهم كانوا يعلمون أن تعين الجمهوريين في عدد من المواقع و خاصة تربوية، سوف يثير حفيظة المحافظين الدينيين، و يبقي الإشكال محصورا في هذا الجانب دون إثارة قضية ترشيح الشيوعيين في العديد من وظائف الخدمة المدنية. لكنهم أيضا أرسلوا رسالة للحزب الشيوعي عندما تم أول تعين لوظيفة وكيل وزارة حيث كانت من نصيب الكتور حامد سليمان حامد كرسالة للحزب الشيوعي أن الأختراق سوف يحدث من أعلي و ليس من القاعدة، و توالت التعينات للكادر الشيوعي في وزارة الطاقة و التعدين و الإعلام و التربية و التعليم و التعليم العالي و خاصة في الجامعات و الصحة و هناك ترشيحات السفراء و الوزراء المفوضين في وزارة الخارجية. الأمر الذي جعل القيادة الاستالينية تعيد حساباتها و تسرع بفتح حوار جديد داخل الحزب حول مسألة المشاركة في هياكل السلطة، خاصة أن الديمقراطيون الجدد نقلوا الصراع داخل الحزب من بعض الموالين لهم بفتح قضية المشاركة في هياكل السلطة. لذلك ليس أمام القيادة الاستالينية إلا إغلاق هذه النافذة، و في نفس الوقت كيفية الحفاظ علي المكتسبات التي تحققت بتعين قيادات عديدة في وظائف قيادية في الخدمة المدنية و محاولة الحفاظ عليها ما بعد الانتخابات؟
عندما عقدت قحت اجتماعها مع الجبهة الثورية و الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو في القاهرة، حدث اتصال بين مجموعة عبد العزيز الحلو و الاتحادي الأصل بقيادة الميرغني. كان الاعتقاد السائد وسط النخبة السياسية، أن هذا اللقاء تم برؤية مصرية تريد أن تخرج الميرغني من الحصار المضروب عليه، باعتبار أن حزبه كان مشاركا في السلطة حتى سقوطها، و ليس هناك شخص من الذين حول الميرغني لديه هذا الحس السياسي، الذي يجعل الميرغني يقدم علي هذه الخطوة، حيث معلوم من ثقافة بيت الميرغني لا يدخلون يدهم إذا كانت الفتة ساخنة. المؤكد أن اللقاء كان بإشارة من الحزب الشيوعي، أن تكون هناك علاقة مع الميرغني من خلال الحلو، باعتبار إنها علاقة مطلوبة للمستقبل، كما إنها علاقة تاريخية منذ الراحل جون قرنق، و واقع الأحداث الجارية أقنع الحزب الشيوعي أن تحالف المستقبلية يجب أن يبأ الآن خاصة مع الميرغني. فهناك مناوشات بين الشيوعي و حزب الأمة القومي، و في ذات الوقت لا أدري كيف قرأ كل من التوم هجو و محمد سيد احمد الواقع في ذلك الوقت و ذهبا للميرغني لكي ينقلا له مادار في الحوار بين الجبهة الثورية و قحت لكي يكون في الصور. و كان يمكن القول أن هذه الزيارة جاءت بطلب من المصريين لكن لا التوم هجو و لا محمد سر الختم لديهم أبواب خلفية مع المصريين. و أيضا ليس لهم علاقة بالحزب الشيوعي تجعله يوعز لهم بذلك. لكن لا يستبعد أن تكون من الحركة الشعبية " عقار – عرمان" لأنهما محتاجين لدعم قوى سياسية لها وزن اجتماعي في الداخل في حالة تشظي الحركة الشعبية، و أن الميرغني لا ينافسهم في مناطقهم و لكن يقف إلي جانبهم كحلفاء.
كان الزملاء؛ و أيضا قبيلة اليسار جلها، و حلفائهم الآخرين يعتقدون أن الصادق المهدي قد فقد شريحة كبيرة من قاعدته الجماهيرية، الأمر الذي يجعله لا يناكف اليسار كثيرا و يوافق علي كل ما يطلب منه، خاصة أن الذين وقعوا علي إعلان الحرية و التغيير، يمتلك الحزب الشيوعي أعداد كبيرة منهم، لأن العديد من المنظمات قد تأسست قبل شهر أو شهرين من سقوط النظام، و هؤلاء يجب أن ينالوا مقاعد في مجلس التشريعي للمقاعد المخصصة لقحت البالغة 67% من مقاعد المجلس. فالمهدي في زياراته الميدانية أتضح أن هناك قوى شعبية عريضة ما تزال توليه الولاء. و أنه يراهن علي الانتخابات، فالمهدي يعلم تماما أن حل المؤتمر الوطني في صالحه، لآن هؤلاء و الإمكانيات التي يمتلكونها، إذا أرادوا العمل السياسي سوف يكون أمامهم حزب الأمة، فاليسار لا يستطيع أن يصارع حزب الأمة. و لابد من إيجاد قوى سياسية لديها قاعدة أجتماعية عريضة تستطيع أن تنافس حزب الأمة، لذلك يعمل الحزب الشيوعي من أجل إعادة الاتحادي الأصل للساحة السياسية. لكن كيف يتم ذلك في ظل الشعارات الداعية إلي إقصاء القوى السياسية التي كانت مشاركة مع النظام حتى سقوطه؟
فكانت زيارة جعفر الميرغني إلي جوبا بوفد عضويته ثلاثين شخصا يضم خلفاء للطريقة الختمية و الحزب الاتحادي الأصل، هي زيارة الهدف منها هو كسر عملية الإقصاء و بداية العمل السياسي. لم تقف هنا بل هناك أيضا مشاورات كما جاء علي لسان القيادي في الأصل علي السيد مع رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور للوصول لاتفاق بين الجانبين يؤدي للتنسيق بينهما. و معلم للجميع أن الحلو و نور لديهما اتفاق تنسيقي مع الحزب الشيوعي. و العلاقة بين الشيوعي و البيت الميرغني ليس علاقة عرضية هي بدأت منذ الخمسينات حيث كانت سببا في انفصال البيت الميرغني عن الحزب الوطني الاتحادي و تكوين حزب الشعب الديمقراطي، ثم كانت قوية داخل تحالف التجمع الوطني الديمقراطي، و كان الحزبان مع الحركة الشعبية قد تحالفا لطرد حزب الأمة من التجمع الوطني الديمقراطي. و هو التحالف الذي يسعى إليه الحزب الشيوعي، أن يكون تحالفا في مواجهة حزب الأمة، و حتى لا تحدث تغييرات في الساحة السياسية تجعل الاتحادي الأصل يتخذ موقفا مغايرا في الذي يفكر فيه الشيوعين، لابد من الانطلاق الآن تجاه الخطوط العريضة للتحالف، يبدأ بالتنسيق بين الميرغني و الحلو و عبد الواحد ثم ينضم الحزب الشيوعي فيما بعد، حتى لا يتهم إنه هو الذي كسر عزلة القوى السياسية التي كانت متحالفة مع المؤتمر الوطني.
يعلم الحزب الشيوعي أن محاولة إرجاع عجلة المفاوضات الجارية في جوبا، هي معركة سياسية، تحتاج لقوى سياسية لها قاعدة اجتماعية تقف مع الشيوعي، لأنها معركة سياسية ليست بالسهلة، هي معركة ضد العسكر، و في ذات الوقت لا تقبلها الجبهة الثورية، سوف يقيف حزب الأمة إلي جانب العسكر رغم موقفه السالب من المفاوضات، لأنه لا يثق في الحزب الشيوعي، كما أن الشيوعي لا يثق في حزب الأمة، لذلك يصبح جر الاتحادي الأصل للساحة السياسية مسألة ضرورية. في بدايات الثورة، كانت القيادات الاستالينية تعتقد أن المجموعات الاتحادية في الساحة إذا توحدت سوف تملأ فراغ الاتحادي، لكن هذه المجموعات فشلت في عملية الوحدة و ذهب تجمع الاتحادين في تأسيس حزب و ليس الإلتزام بأجندة وحدة كل المجموعات. هذا التغيير في الهدف لابد أن يؤدي لإعادة في قرأة شعار الوحدة. و بدلا من الرهان علي قوى جديدة قياداتها من الناشطين يجب الرهان علي حزب يمتل قوى اجتماعية منظمة، و هي معادلة مقبولة إذا كانت قراءة الواقع صحيحة.
و في رحلة الحوار بين وفد قحت و المجلس العسكري، أستطاع العسكر و أيضا أصحاب النفوذ الخارجي أن يحدثوا أختراقا لقوى الحرية و التغيير، حيث كانت تعقد جلسات في الغرف المغلقة و ظهرت ذلك في الدعم المالي لبعض القوى لتسهيل حركتها و نشاطها، هذا ما كان قد أشار إليه السكرتير السياسي للحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب. هذا الأختراق جعل الشيوعي يتحلل من تحالفاته القديمة، و يبحث عن تحالفات المستقبل، و هي التحالفات لفترة ما بعد الانتقالية، خاصة أن النفوذ الخارجي ليس غائبا عن الساحة. و مسيرات الخميس 30 يناير 2020م أثبتت أن عدم تنزيل شعارات الشارع للواقع سوف يؤثر علي حركته، كما أن الكتل الانتخابية مغايرة للتجمعات الآخرى، و أن الوعي الجماهيري الذي تتحدث عنه بعض القوى السياسية تعلم تماما هو مصطلح الهدف منه التعبيئة و ليس واقعا. لكن سعي الحزب الشيوعي لاستنهاض الاتحادي الأصل و التحالف معه يؤكد أن الحزب الشيوعي نفسه يضع نسبة مئوية أن الفترة الانتقالية لا تكمل مدتها و يكون هناك دعوة لانتخابات عاجلة، هي رغبة حزب الأمة، و أيضا الاتحادي الأصل. أن الأيام حبلى، و المسيرة الآخيرة قد أربكت الحسابات. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.