(رأيت من أوّل كتاباتي الناقدة للجبهة الثورية بأنها نزوة معروفة عني ضد الهامش. والصحيح أنني كنت، ولا أزال، صريح النقد لخطة العمل المسلح لمقاومة الإنقاذ وغير الإنقاذ من لدن الحركة الشعبية للعقيد جون قرنق. وهي نقد للتكتيك من فوق قناعتي أنه مغامرة ما زادتنا إلا كآبة منظر. ولفتُ النظر إلى أن قانون تغيير الحكم في السودان (إذا كان ثمة قانوناً من هذا القبيل) هو العمل المدني السياسي النقابي المدني انطبق هذا القانون في 1964 و1985 و2018. بعبارة فالتغيير من النقابة لا الغابة في عبارة مليحة للواثق كمير.

وأنشر تباعاً مقالاتي التي حملت هذا القناعة في نقد تكيتك حرب العصابات. وهو نقد تقاصرت عنه الصفوة المعارضة في الإنقاذ وما سبقها. وتلجلجت بين خمول النقابة وهمة الغابة فاخترعت العبارة المزجية "الانتفاضة المحمية". ولم تقع.

ولما خلا وجه الحركات من النقد سدرت في العسكرية وأضاعت مشروعها الأول في كونها لثائرين اضطروا للعسكرية اضطرارا، وسيرمون سلاحها متى أشرقت الثورة. وأرجعت عتو الجبهة الثورية المشاهد حيال الثورة وصلفها بالسلاح إلى صفوة المعارضة للإنقاذ التي غضت الطرف عن سدور الحركات في العسكرية ومترتباتها الوخيمة في مقالي السابق لهذا.

أعلق في هذا المقال القديم (7-5-2013) على انضمام بعض أبناء الأسر المميزة في الشمال إلى الجبهة الثورية.

تواردت عليّ فكرة هذا العمود عن محنة "أولاد المراتب" بعد قراءة مقالة خالد أحمد في "السوداني" عن "الاتحاديين الأصل في الجبهة الثورية". وأعني بأولاد المراتب من ولدوا بملعقة من ذهب في بيوت التصوف السياسي وسادوا فينا بإرثهم. فتحول نفر منهم إلى الثورية مثل محمد عثمان تاج السر الميرغني والتوم هجو (من دوحة اليعقوباب بسنار) وصديق الهندي. وساقني هذا إلى أولاد مراتب من الأمة في الجبهة الثورية ومنهم مبارك الفاضل ونصر الدين الهادي. كما وقع على ميثاق الفجر الجديد أحد العركيين حتى نفى أزرق طيبة تمثيله للدوحة العركية.

ولم أملك إزاء تكاثر أولاد المراتب على الثورية إلا أن أسأل: ما الذي ألجأهم إليها بشخصهم معتزلين جماعتهم؟ ما الذي ضاقت به مواعين طرقهم وأحزابهم ووجدوا أن طريقهم لتحقيقه يمر عن طريق الثورية؟

ومتى تأملت تاريخ أولاد المراتب الثوريين القريب وجدتهم "فاقداً سياسياً". بمعنى أنهم عاشوا بإرثهم حياة سياسية مجزية ثم انشقوا على زعامتهم التقليدية، فأنسدت أكثر الفرص أمامهم، فقرروا أن يلعبوا غيرها بالثورية. وقصة مبارك الفاضل معروفة. خرج من حزب الأمة إلى الإنقاذ فغبنته في لمح البصر. فكان كالمسيحي الذي أسلم فمات فأغضب المسيح ولم يسمع به محمد.من الجهة الأخرى خسر تاج السر الميرغني رهان المشاركة الاتحادي مع الحكومة في إقليمه في البحر الأحمر، فأنشق على عمه الميرغني الختم. كما سحب الدقير في الحزب الاتحادي جناح الهندي البساط من تحت أرجل صديق الهندي. وهكذا نرى أن أصل مغامرة أولاد المراتب الثورية هي من سقط بولتيكا أحزاب الجماعة الصوفية التاريخية.

صار تمديد الصفوة عمرها السياسي بالتمسح بالهامش المسلح عادة. في الثمانيات كان هذا طريق اليساريين والليبراليين. وأبرز من شق هذا الطريق هو منصور خالد. فأسرع بمغادرة الخرطوم بعد انتفاضة 1985 لدى علمه أنه سيقبض عليه لسدانته لدولة نميري. فهرب للحركة الشعبية. ولم تقبل به صفوة الانتفاضة في مؤتمر كوكادام بأثيوبيا حين جاء مندوباً عنها. ولكن أصر عليه العقيد قرنق لأنه أراد أن يلقن صفوة الشمال درساً في التأدب أمام خيارات الهامش. وكان التنازل الذي قبله من تلك الصفوة هو أن يتأخر منصور عن الجلسة الأولى ويلحق بالأخريات. وغادر ناصر السيد، الذي قاد الاعتراض على وجود منصور خالد في المجمع، كوكادام احتجاجاً على وجود منصور العائد إلى الملعب بفنلة جديدة.

طريق أولاد المراتب "حردانين سوق" جماعاتهم طريق خطر. فدورهم في الثورية ما يزال هو دور العلاقات العامة. وليسألوا الواثق كمير عن مآل من يأتي إلى صراع الهامش بغير عصبية من قبيلة أو حزب أو طائفة. قال الواثق بصراحة إنهم هانوا على الحركة الشعبية لأنهم لم يقاتلوا. ولن نقبل بكم يا أولاد المراتب ممثلين عن "أولاد البحر" كما قال الحلو، مروجين للثورة من دعة منازلكم. فإذا اتفق لكم أن الكفاح المسلح هو الطريق فخوضوه أصالة لا وكالة. وسنصدقكم كما فعلنا معكم دائماً: تلحقونا وتنجدونا.

 

الجبهة الثورية: من الثورة الشعر إلى العسكرية الدميمة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

لو كان أداء الحركة الثورية موضع نظر ومؤاخذة صفوة السياسة والرأي في المعارضة لما راعهم طمعها العصيب للمناصب في مفاوضاتها مع قوى الحرية والتغيير. ولا يجهلن أحد علينا فيبرئ الثورية من المحاصصة ليحدثنا عن وثيقتها للسلام وإدراجها في الوثيقة الدستورية وما أدراك. فهذه الوثيقة هي قميص عثمان الثورية. وجاءت السيدة مريم المنصورة، وهي طرف في نداء السودان معاً مع الثورية وفي المفاوضات التي انعقدت في أديس أبابا، بالخبر اليقين في بيان أخير لها ناشدت فيه قوى الحرية والتغيير تنفيذ مخرجات لقائها مع الثورية في أديس. فطلبت من قحت تنفيذ الملحق الخاص الذي تم فيه مقعدين للسلام (تقرأ الثورية) وطريقة ملئهما، وأن ينتظر رئيس وزراء الثورة شهراً قبل تعيين الحكومة لتجد الجبهة الثورية الفرصة التشاور حول تكوين الحكومة الجديدة واختيار الوزراء. فكل تنزيه الثورية عن المحاصصة باطل وقبض ريح.

قلت لو كانت الثورية موضع نظر ومؤاخذة صفوة المعارضة لما استغربت شرهها للوظيفة السياسة. فالثورية حالة خاصة من الطمع في الوظيفة في هيكلها الجبهوي القيادي ضربت الفتنة بين أطرافها. فتوارت عنها الجبهة الشعبية-قطاع الشمال في 2017 بعد نزاع حول رئاسة الثورية. وعاد إليها جناح السيد عقار بعد الثورة في فبراير 2019 بعد الانقسام الذي تعرضت له الشعبية في 2017.

تكونت الجبهة الثورية في 2011 وضمت حركة تحرير السودان-عبد الواحد إلى جانب العدل والمساواة وحركة تحرير السودان-مناوي وتيار الحزب لاتحادي الديمقراطي وممثله السيد التوم هجو المعلوم. وشغل فيها عبد الواحد منصب نائب الرئيس للقطاع السياسي ثم خرج منها في ملابسات لم أقف عليها. وبدا أنه اتهم في أكتوبر 2018 أطرافاً في الجبهة أو نداء السودان ب"الهبوط الناعم" أي البحث عن صلح مع الإنقاذ. وتجلى هذه الشره للوظيفة والجاه في مظهرين.
أولهما، وهذا حدث قبل قيام الجبهة الثورية نفسها، وهو المنافسة بين العدل والمساواة ومناوي في أيهما المحارب الأشوس في دارفور الذي صح أن تتفاوض الحكومة معه لاستتباب السلام في الولاية. فمتى جلست حركة مناوي وآخرون للتفاوض مع الحكومة بوساطة من قطر تجد العدل والمساواة صعدت من عملياتها العسكرية لفتاً للنظر كمالكة وحدها لا غيرها لقرار الحرب والسلام في دارفور.

أما المظهر الثاني من شره أطراف الثورية للمنصب فتجلي في صراع أطرافها حول رئاسة الحلف. فضربها الخلاف على الرئاسة في 2015. وكان في سدة الرئاسة عقار عن الحركة الشعبية. واتهمت الحركات الدرافورية الحركة الشعبية بالتشبث برئاسة الحركة، "وإغلاق الطريق أمام تبادل رئاسة الجبهة مع بقية أعضاء التحالف، لا سيما وأن المنصب احتفظت به الحركة منذ التأسيس". وفشل اجتماع للجبهة في حسم الخلاف بشأن الرئاسة، وغادر رئيس الجبهة ورئيس الحركة الشعبية، مالك عقار، الاجتماع غاضباً، بعد أن تمسكت الحركات الدارفورية بوجوب انتقال الرئاسة إلى رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم.
وقال رئيس حركة تحرير السودان، مني مناوي، إن قضية انتقال رئاسة الجبهة ظلت معلقة منذ العام 2013. وارتهن الانتقال بتوافق الحركات الدارفورية على مرشح للمنصب وذلك ما تم بتنازل مناوي لجبريل إبراهيم. وقال مناوي: "لكن الواضح أن الحركة ممثلة في رئيسها عقار، وأمينها العام، ياسر عرمان، تريد التمسك برئاسة الجبهة إلى الأبد"، ونصح مناوي الحركة بالجنوح نحو الديمقراطية للحفاظ على تماسك الجبهة الثورية ووحدتها، مردفاً: "علينا أن نبرهن أن الجبهة تنظيم ديمقراطي قادم لحكم السودان، بدلا عن التنظيم الدكتاتوري والشمولي الجاثم على صدر البلاد الآن". ولا يبدو أن الديمقراطية مما يعيره مناوى لفتة الأن كما نرى.

وانتقلت الرئاسة بسلاسة في أكتوبر 2017 إلى مناوي في اجتماع بباريس حضره مندوب من عقار الذي كان في شغل بتداعيات خصومته مع السيد الحلو. وأثنى مناوي عقب إعلانه رئيساً، في قول الصحيفة، على الرئيس السابق جبريل إبراهيم لسلاسة انتقال الرئاسة والممارسة الديموقراطية وابتداعه «بدعة حسنة» في الممارسة السياسية للسودانيين.

وكان قيام نداء السودان، الذي الجبهة الثورية عضو فيه، ساحة أخرى للخصومة حول الوظيفة العامة. فنشأ في 2017 صراع حول هيكلة المكتب القيادي للنداء السودان الذي ضم الحركات المسلحة وقوى الإجماع الوطني وآخرين. وكان أن رشحوا السيد الصادق لرئاسته. واتهم خصوم الصادق، الحركة الشعبية، مناوي وجبريل بأنهما لم يريدا من الهيكلة إلا لتنصيب السيد الصادق رئيساً. وبلغ الخلاف حدة تنازل بها السيد الصادق عن رئاسة نداء السودان لأن "فيه فصائل مسلحة ولا تقبل المساءلة عن تصرفاتها". واضطر جبريل لكتابة مقالة بالسودان تربيون في 21 مارس 2018 دفاعاً عن السيد الصادق. ولربما سمع القارئ من السيد الصادق والثورية معاً مؤخراَ عن حاجة الحرية والتغيير إلى "مكتب قيادي" بدلاً عن التنسيقية الحالية مؤخراً مما هو صدى من كجار الثورية ونداء السودان.

جاءت الجبهة الثورية بهذا الخلق النكد والشره للوظيفة للثورة. واستغربت لهم كثوار كيف غمطوا جمالها الرباني الذي استسلمنا له بما هو تقوى قريبة من العبادة. وبدا لي، بفصلهم قضية الديمقراطية عن قضية السلام، أن فيروساً سياسياً ضاراً أعدى ذائقتهم وأفسدها. ولكأنهم يقولون نحن ناس حرابة والسلام حقنا بارد وأما الديمقراطية فلا بواك عليها. واحتكارهم للسلام لاحتكارهم السلاح مما نبه إلى بؤسه الرفيق أمليكار كابرال، قائد حرب العصابات الثورية في غينيا-بيساو ضد الاستعمار البرتغالي في الستينات. فقد حذّر ثلاثاً أن يتحول الثوري حامل السلاح militant إلى عسكري مسلح military. فالثورة، إن صدقت، تحيط بالثوري إحاطة السوار بالمعصم. فهي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وهي كالشعر في قول أحدهم بعد تعديل: "الحركات المحسنة بين الحركات الثورية تفعل فينا فعل الشعر العظيم. فهذا الشعر يرحل بنا إلى فضاء آخر، ويجعلنا نعيش رعب عالمنا للمرة الثانية، وأهم من ذلك كله، فهو يعيننا على تخيل مجتمع جديد حقاً".

تحولت حركات دارفور في الجبهة الثورية، التي اضطر منسوبوها لحمل السلاح كثوار، إلى عسكريين محض لا خير فيهم للوطن اليوم سوى وقف حرب كانوا الطرف الثاني في إشعالها. وتزايلت في وجدانهم الثورة القصيدة التي تعيننا على تخيل مجتمع جديد حقاً. وسقطوا في هذا القبح الثوري بينما تدير صفوة الرأي في المعارضة رأسها نحو الجهة الأخرى غضاً للطرف.

وسنرى الأداء العسكري المحض للثورية بين أهلها في أبو قمرة واب كرشولا في الكلمة القادمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.